جيليان تيت

في عام 1986، وفي إطار حديث له الدين الأمريكي، قال هيرب شتاين، الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين الأمريكي: «ما دام شيء لا يمكن له أن يستمر إلى الأبد، فسيتوقف».

الآن، يمكن للمستثمرين أن يستحضروا مقولة هيرب شتاين مجدداً، وهذه المرة للحديث عن تقييمات الأصول.

إن مفارقة غريبة - وربما غير مستدامة - تخيم على الأسواق حالياً. وهذا ليس رد فعل لما حدث لأسعار النفط بسبب الحرب في الشرق الأوسط؛ أو للحجم الهائل للاكتتابات العامة الأولية لشركتي سبيس إكس وأنثروبيك.

المعضلة الحقيقية تكمن فعلياً في عوائد السندات والأسهم. فعلى مدى عقود، درس طلاب كليات إدارة الأعمال أن عوائد الأسهم يفترض أن تكون أعلى من عوائد السندات، لتعويض المستثمرين عن المخاطر المرتبطة بأرباح الشركات ودورات السوق.

وكما يشير سميث أفلييتد، مستشار الاستثمار في نيويورك، في رسالة له للمستثمرين، كان عائد الأسهم الأمريكية بين عامي 1990 و2026 أعلى بنسبة 2.3 نقطة مئوية من عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات في المتوسط.

(وقد توصل سميث إلى هذه النسبة بقسمة أرباح الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 على سعر السوق، وهو ما يُعدّ أبسط مقياس حالي).

لكن سميث يقول: «اليوم، تبدو هذه العلاقة مختلفة تماماً، فقد بلغ عائد أرباح مؤشر ستاندرد آند بورز 500 حوالي 3.6 % في أوائل يونيو، أي أقل بنحو 0.85 % من عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات. وهكذا، فقد انقلبت المعادلة المالية رأساً على عقب».

ويحسب محللون آخرون عائد الأسهم بطريقة مختلفة، فبنك جيه بي مورغان، على سبيل المثال، يستخدم نموذجاً معقداً لخصم الأرباح الموزعة، يتوقع الأرباح المستقبلية (وليس الحالية) والتدفقات النقدية المخصومة. لكن الرسالة متشابهة: بين عامي 1996 والعام الجاري، تراوحت علاوة أسهم جيه بي مورغان في الغالب حول 5 %.

ومنذ أن بدأت عوائد السندات بالانخفاض قبل ثلاثة عقود، وصولاً إلى الصفر، نشأ فارق إيجابي كبير بين عوائد الأسهم والسندات، لكن الآن، تجاوزت عوائد السندات لأجل 10 سنوات 4.5 %، ما أدى إلى تقلص هذا الفارق في نماذج بنك جيه بي مورغان، ما يعني أن «الأسهم تبدو باهظة الثمن نسبياً مقارنةً بمتوسطات الثلاثين عاماً الماضية»، وفقاً للبنك. وهذا أمر غريب.

ففي نهاية المطاف، عندما ترتفع أسعار الفائدة في السوق - كما حدث هذا العام - عادةً ما يؤثر ذلك سلباً على أرباح الشركات، ويجعل شراء السندات أكثر جاذبية للمستثمرين. ومع ذلك، فقد تجاهل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 هذا الأمر.

لماذا؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن السندات مُسعّرة بشكل خاطئ، إما لأن التضخم على وشك الانخفاض، أو لأن الحكومات على وشك خفض ديونها و/ أو لأن الركود الاقتصادي يلوح في الأفق. مع ذلك، بلغ التضخم في الولايات المتحدة 4.2 %، بينما بلغ النمو في الربع الأول 2%، ووصل عجز الميزانية الأمريكية إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من هذه السنة المالية، في حين تتوقع وزارة الخزانة عجزاً قدره 2 تريليون دولار هذا العام.

لذا، ثمة احتمال آخر، وهو أن تكون أسعار الأسهم هي التي تعاني من مشكلة في التقييم. ويبدو هذا الاحتمال أقرب إلى الواقع. ففي نهاية المطاف، يُعزى جزء كبير من ارتفاع مؤشرات الأسهم إلى الارتفاع الكبير الأخير في قطاع التكنولوجيا، والحماس المفرط للذكاء الاصطناعي، على الرغم من أن الأرباح الملموسة من الذكاء الاصطناعي كانت ضئيلة حتى الآن.

والأسوأ من ذلك، قد يواجه المستثمرون حالة من التردد قريباً مع كل الاكتتابات العامة الأولية المرتقبة، نظراً لأننا على ما يبدو ندخل دورة استثمارية جديدة، وتحتاج وزارة الخزانة إلى بيع سندات بقيمة 10 تريليونات دولار في العام المقبل. وكما يقول سميث، فإننا نواجه «عودة المنافسة على رأس المال». وهذا يختلف تماماً عن العقد الماضي الذي شهد وفرة في السيولة، والذي دعم أسعار الأسهم.

ومع ذلك، إذا كنت تعتقد أن أسعار الأسهم مُبالغ فيها، فعليك مراعاة نقطتين أخريين: أولهما أن أرباح الشركات لا تزال قوية، حتى خارج قطاع التكنولوجيا؛ وثانيهما أن معظم العاملين في مجال التكنولوجيا والمستثمرين أيضاً، على ما يبدو مقتنعون بأن أرباح التكنولوجيا سترتفع بشكل كبير في المستقبل.

لذلك، فقد دار الحديث في اجتماع منتدى المؤسسين في المملكة المتحدة منذ أيام حول معجزة مستقبلية في الأرباح والإنتاجية والنمو مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، والتي قد تُخفّض التضخم. إذن، بالنسبة لعالم التكنولوجيا، فإن السندات - وليست الأسهم - هي التي تبدو مُبالغاً في سعرها. ويبدو أن سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، يُوافق على ذلك.

وإذا ثبتت صحة ذلك، فسنحتفل جميعاً. لكنني ما زلت متخوفة، وأخشى أن يكون هناك تفسير ثالث لهذه المعضلة، فالمستثمرون في حيرة كبيرة وارتباك شديد لدرجة أن نماذج التقييم المعروفة تنهار.

لقد نشأ معظم العاملين الآن في الشركات والمؤسسات المالية في عالمٍ كانت فيه العولمة الاقتصادية النيوليبرالية، والهيمنة الأمريكية، هي التعريف لـ«الوضع الطبيعي». لذا، يصعب على الجميع فهم العصر الجديد من الاقتصاد الجيوسياسي، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الحقيقي، أو مستقبل أسعار النفط والدولار خاصة في ظل وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض، فمعه يكتنف الغموض كل شيء.

فهل ستستمر هذه المفارقة السوقية؟ على الأرجح، ستستمر لفترة من الزمن على الأقل. فبعد كل شيء، أطلق هيرب شتاين مقولته قبل أربعة عقود، لكن الديون استمرت في التزايد. كذلك، ي عالم الأسهم، استمرت فقاعة الإنترنت لفترة أطول مما توقعه أي شخص، ما أدى إلى انخفاض عوائد الأسهم أيضاً.

لذلك، على الأقل، ينبغي على المستثمرين الانتباه إلى هذه المعضلة، وأن يسألوا أنفسهم عما يثقون به: وعد من الحكومة الأمريكية بالسيطرة على الديون والتضخم؟ أم تعهد من خبراء التكنولوجيا بتحقيق نمو هائل في المستقبل؟ أم لا هذا ولا ذاك؟ الإجابة مهمة للغاية، خاصة إذا عادت ندرة رأس المال.