فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكثيرين خلال تصريحات له على متن طائرة الرئاسة الأمريكية «إير فورس ون» بإعلان دعمه لاقتراح يسمح للحكومة في الولايات المتحدة بالاستحواذ على حصص في شركات الذكاء الاصطناعي.
ويُعد ضمان استفادة المجتمع من مكاسب التكنولوجيا هدفاً نبيلاً، حتى وإن جاء في إطار استغلال ردة الفعل المتزايدة ضد الذكاء الاصطناعي بين عدد كبير من الأمريكيين. لكن بدلاً من إضفاء الطابع الديمقراطي على الثروة التي يتوقع أن تنتجها التقنيات الجديدة، فإن الخطة التي لا تزال غير واضحة المعالم لإنشاء صندوق ثروة للذكاء الاصطناعي من خلال مساهمات طوعية من الشركات لن تؤدي إلا إلى تعزيز نفوذ عمالقة التكنولوجيا – ومعهم المسؤولون الحكوميون.
وقال ترامب، إنه سيناقش المبادرة مع شركات الذكاء الاصطناعي في محاولة منه لتعزيز شعبيته في موضوع يكتسب زخماً سياسياً لدى كل من اليسار واليمين. وبالفعل، ظهرت مقترحات عدة في الأسابيع الأخيرة.
وخلال الأسبوع الماضي، التقى السيناتور بيرني ساندرز، سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن أيه آي»، وعرض حجته لإنشاء صندوق ثروة سيادي بفرض «ضريبة لمرة واحدة بنسبة 50 %، لا على أرباح شركات «أوبن أيه آي» و«أنثروبيك» و«إكس ايه آي» وغيرها، بل تُدفع بشيء ذي قيمة أكبر بكثير: الأسهم».
وهو ما تم وصفه لأنه يبدو أقرب إلى التأميم منه إلى فرض ضرائب. وحتى لو أقرّ الكونغرس خطته، فمن المرجح أن تطعن فيها المحاكم، إذ يقيّد التعديل الخامس للدستور الأمريكي الاستحواذ العام على الملكية الخاصة دون تعويض عادل.
وبإمكان الحكومة شراء أسهم في شركات الذكاء الاصطناعي وتعويضها بأسعار السوق. لكن في بلد يعاني من عجز مالي كبير، فإن تمويل صندوق ثروة سيادي بإصدار سندات دين يهدد بتضخيم الدين الوطني المتضخم أصلاً، كما يهدد بمزاحمة استثمارات القطاع الخاص في شركات الذكاء الاصطناعي من خلال رفع عوائد السندات الأمريكية، ويضيف المزيد من المخاطر إلى الميزانية الفيدرالية.
إذن، المسار الأرجح هو الذي يدرسه ترامب حالياً: صندوق يستقطب مساهمات طوعية في الأسهم من شركات التكنولوجيا. لكن لماذا قد تختار شركات الذكاء الاصطناعي تقديم أي مساهمات طوعية؟ إن المساهمة في مثل هذا الصندوق من شأنها أن تكسب ودّ إدارة أبدت حرصها على استخدام سلطاتها لمساعدة حلفائها والإضرار بخصومها. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يقدم ترامب تنازلات كبيرة لمن يسهم في هذا المخطط، ويمارس ضغوطاً كبيرة على من يرفضون المساهمة. وفي كلتا الحالتين يمكن لخطر المحسوبية السياسية أن يعيق كفاءة قطاع الذكاء الاصطناعي وحوكمته.
كما أن وضع أسهم في محفظة كل أمريكي سيمنح شركات الذكاء الاصطناعي غطاءً سياسياً، لأن موافقة الحكومة الفيدرالية قد تؤدي إلى ضغوط لتقديم مساعدات مالية في حال حدوث انكماش اقتصادي. وإذا استمرت أسهم الذكاء الاصطناعي في الارتفاع، فمن الممكن أن ينظر إلى ترامب كبطل أسهم في شمول الاستفادة الأمريكيين جميعاً، لكن إذا انخفضت فقد يتحمل دافعو الضرائب العبء.
كذلك، فإن منح كل أمريكي حصة في عدد قليل من الأسهم المتداولة علناً يُعد وصفة للمخاطر الأخلاقية، كما سيؤدي مخطط المساهمة الطوعية إلى خلق تضارب مصالح لا حصر له، وسيفيد في المقام الأول مصمميه. كما أنه يتجاهل حقيقة أن العديد من الأمريكيين يستفيدون بالفعل من النمو الأسرع، وزيادة الإنتاجية، وارتفاع تقييمات الأسهم نتيجة للذكاء الاصطناعي.
عموماً، لا تزال المقترحات الحالية لتوزيع مكاسب شركات الذكاء الاصطناعي، غامضة وتهدد بعرقلة تطوير هذه التقنية الناشئة. ولعل من الأفضل في الوقت الراهن إعطاء الأولوية للنمو، إلى جانب وضع ضوابط تنظيمية منطقية تضمن تطوير التقنية بأمان. ومع مرور الوقت قد يصبح من الضروري إجراء إصلاحات ضريبية لضمان توزيع المكاسب على نطاق أوسع.
ولطالما اعتبر السياسيون أن الحكومة لا ينبغي لها أن تحدد الفائزين والخاسرين، لذلك لا ينبغي لمحادثات ترامب مع شركات الذكاء الاصطناعي أن تغير هذا الواقع.