ليزلي هوك - كاميلا هودجسون

أكد مسؤولون تنفيذيون ومحللون أن الحرب في منطقة الشرق الأوسط تزيد من أزمة نقص المعروض من المعادن الصناعية، كالنحاس والألومنيوم، ويعتقدون أن استمرار ضيق السوق، يعني أن الأسعار قد تبقى مرتفعة لسنوات مقبلة.

واقترب سعر النحاس من أعلى مستوى إغلاق له على الإطلاق، بينما وصل سعر الألومنيوم إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات.

وجاء ارتفاع سعر المعدنين في ظل الطلب القوي من مراكز البيانات - التي تستخدم النحاس في الأسلاك والألومنيوم في رفوف الخوادم – وللتوسع في إنشاء شبكات الكهرباء والمركبات.

وتأثرت الإمدادات في الأشهر الأخيرة بفعل الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز.

وتُبرز هذه التحركات الحادة للأسعار، كيف أن تداعيات حرب إيران، التي دخلت شهرها الرابع، تُلقي بظلالها على أسواق السلع الأساسية، وتؤكد عدم اقتصارها على أسواق النفط والغاز.

لكن على عكس أسواق الطاقة، حيث يتوفر إمداد عالمي وفير، كانت هناك مخاوف بشأن نقص وشيك لبعض المعادن الصناعية قبل الحرب.

وقال كريغ ميلر الرئيس التنفيذي لشركة فالتيرا بلاتينيوم، وهي شركة تعدين جنوب أفريقية: «سنواجه بيئة إمداد أكثر شحاً في جميع السلع، حيث من المتوقع أن يستمر الطلب على المعادن في النمو»، مشيراً إلى اتجاهات مثل التحول في قطاع الطاقة ونمو الذكاء الاصطناعي، ولافتاً إلى أن العرض لم ينمُ بأي حال من الأحوال بما يكفي لتلبية هذا الطلب.

وطالت تداعيات حرب إيران، التي رفعت سعر خام برنت من 72 دولاراً إلى أكثر من 90 دولاراً حالياً، مجموعة واسعة من السلع.

فقد شهدت أسعار المنتجات الزراعية، مثل القمح والذرة، التي تُعدّ أسمدتها أغلى ثمناً، ارتفاعاً ملحوظاً هي الأخرى، وكذلك أسعار المنتجات الصناعية، مثل البلاستيك والإسفلت، وكلاهما مصنوع من مشتقات النفط المكررة.

وبالنسبة للمعادن، أدت الحرب إلى زيادة تكاليف تشغيل المناجم، بسبب ارتفاع سعر الديزل المستخدم لتشغيل الشاحنات ومعدات التعدين الأخرى، وكذلك ارتفاع سعر حمض الكبريتيك، وهو عنصر أساسي في بعض مناجم النحاس والنيكل.

وقال جيمس هايتر كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أوريون ريسورس إكويتيز»، إنه بالنظر إلى ظروف هذه الأسواق، فقد فوجئ بعدم ارتفاع الأسعار بشكل عام.

وأضاف: «الجميع يراقب هذه الأسعار، ويتساءل عن السبب وراء الارتفاع». وأوضح أن: «هناك مشكلة هيكلية في العديد من أسواق السلع الأساسية. وسنشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار».

وبالنسبة للنحاس، كان من المتوقع بالفعل أن يشهد السوق عجزاً هذا العام - حيث يتجاوز الطلب الكبير حجم العرض، بسبب الاضطرابات في المناجم الرئيسة.

وقد أدى استمرار الصراع في الشرق الأوسط إلى مزيد من التراجع في الإنتاج، حيث تسبب في ارتفاع سعر الكبريت - وهو منتج ثانوي لتكرير النفط - إلى أكثر من الضعف.

بحسب شركة وود ماكنزي الاستشارية، قد يؤدي نقص توافر الكبريت إلى انخفاض إنتاج النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بما يصل إلى 125 ألف طن.

وتشير آمي غاور المحللة في مورغان ستانلي، إلى أن أكثر من 200 ألف طن من الإنتاج في تشيلي، قد تكون مهددة بسبب الاضطرابات بأسواق الكبريت، بما في ذلك حظر الصين تصدير حمض الكبريتيك.

وقالت: «من الواضح أن إمدادات النحاس تزداد صعوبة»، مضيفةً أن طول فترات التعافي في المناجم التي شهدت اضطرابات تُسهم أيضاً في شحّ السوق.

وكان بنك غولدمان ساكس قد توقع في البداية عجزاً قدره 60 ألف طن هذا العام خارج السوق الأمريكية، ثم رفع توقعاته مؤخراً إلى عجز قدره 640 ألف طن، ويعود ذلك جزئياً إلى مشاكل إمدادات المناجم في غراسبرغ بإندونيسيا، وكاموا-كاكولا بجمهورية الكونغو الديمقراطية.

كما رفع البنك الأمريكي توقعاته لسعر النحاس بنسبة 10 %، ليصل إلى 13,735 دولاراً للطن بنهاية العام.

وأكد مسؤولون تنفيذيون في قطاع التعدين، أن النقص يتراكم منذ سنوات، وأن المستثمرين غالباً ما توقفوا عن ضخ الاستثمارات اللازمة في مناجم النحاس الجديدة.

وقال كوبوس لوتس الرئيس التنفيذي لشركة بان أفريكان ريسورسز، وهي شركة منتجة للذهب: «منذ مطلع الألفية الثانية، يحث المستثمرون شركات التعدين على ترشيد الإنفاق، وهو أمر إيجابي، ولكنه يعني أيضاً احتمال تقليص الإنفاق والاستثمار في الإمدادات الجديدة. والآن، بات لزاماً بذل الكثير من الجهد لتعويض هذا النقص».

وفي قطاع الألومنيوم، كان للحرب تأثير مباشر، حيث توفر منطقة الشرق الأوسط ما يقارب 10 % من الإنتاج العالمي للألومنيوم المُكرّر.

وقد خفّضت كبرى الشركات المُنتجة في المنطقة إنتاجها ، فضلاً عن صعوبة نقل خام الألومينا اللازم لمصاهرها، في ظل إغلاق مضيق هرمز.

في الوقت نفسه، دفعت أسعار الوقود المرتفعة بسبب الحرب، بعض الدول إلى تسريع استثماراتها في مجال أمن الطاقة، لا سيما في مصادر الطاقة المتجددة، وهي خطوة يتوقع لها أن تُعزّز الطلب على النحاس والألومنيوم على المدى المتوسط.

وتشتهر صناعة التعدين بتفاؤلها بشأن أسعار المعادن التي تُنتجها. ويرى الاقتصاديون عوامل قوية لارتفاع الأسعار ناتجة عن ضغط العرض، لكنهم يُحذّرون من أن السوق الصاعدة قد تتعرّض للتراجع إذا ما تسبّبت حرب إيران في انكماش اقتصادي عالمي، سيُؤثّر سلباً في الطلب على المعادن.

ويشير بول بلوكسهام كبير الاقتصاديين لشؤون أستراليا والسلع العالمية في بنك «إتش إس بي سي» إلى «الضغوط الشديدة بالأسواق منذ تداعيات اشتعال الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022».

ويقول: «يختلف هذا الوضع تماماً عن الدورات الاقتصادية الكبرى السابقة، لأنه مدفوع باضطرابات في سلاسل التوريد، وليس بزيادة الطلب».

ويضيف: «لهذا الأمر تأثير إيجابي في النحاس والنيكل والألومنيوم، أي على المنتجات التي تُشكل جزءاً كبيراً من التحول في قطاع الطاقة، لكن قيود العرض تُشكل في الوقت نفسه صدمة سلبية هائلة لسلاسل التوريد للاقتصاد العالمي».

ومن المؤشرات الرئيسة التي يراقبها الاقتصاديون، ما إذا كان ارتفاع الأسعار أو المخاوف بشأن النمو الاقتصادي يؤثر سلباً في الطلب على المعادن، لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات تُذكر على حدوث ذلك.

وقال جان سيباستيان بيلاند المدير التنفيذي لشركة إيلاند كابلز، التي تُصنّع كابلات النحاس المستخدمة في مزارع الرياح البحرية ومنصات النفط: «لم نلحظ انخفاضاً كبيراً في الطلب».

وأوضح أن «التكاليف المرتفعة تُنقل إلى المستخدمين النهائيين، الذين هم على استعداد لدفع ثمنها. ولا أحد يتوقع له أن يتوقف عن شراء الكابلات الخاصة بالطاقة المتجددة في أي وقت قريب».