سارة أوكونور
كثيراً ما تُستخدم النقاشات حول الماضي بديلاً للنقاشات حول المستقبل، لذا ليس من المستغرب أن يتواصل الجدل طويل الأمد حول الثورة الصناعية، فيما يبدأ العالم مرحلة جديدة من التغير التكنولوجي السريع.
يدور النقاش حول ما إذا كانت الثورة الصناعية مفيدة أم ضارة للعمال على المدى القصير - وبالتالي، ما الذي يمكن أن تكون عليه ثورة الذكاء الاصطناعي. يمكن تلخيص الخطاب المتداول في الأوساط التقنية على النحو التالي:
«لا داعي للقلق: لقد أدت الثورة الصناعية إلى ارتفاع الأجور الحقيقية وزيادة فرص العمل»، لكن يجب علينا ألا ننسى «فترة توقف إنجلز»- تلك الفترة من الثورة الصناعية في بريطانيا (تقريباً بين 1790 و1840) حين ارتفع الناتج المحلي الإجمالي.
وأرباح الشركات بشكل هائل، بينما بقيت أجور العمال راكدة دون تحسن يُذكر، لكن أليس هناك مقياس مختلف للأجور الحقيقية يُظهر صورة مختلفة؟ «وهكذا دواليك».
البعض يجد هذا النقاش محيراً، وأنا منهم. ليس لعدم وجود دروس مستفادة من الثورة الصناعية، بل لأنني لا أعتقد أن قواعد البيانات المتاحة هي المكان المناسب للبحث، وذلك لأسباب عدة منها:
- أولاً، البيانات المتعلقة بتلك الحقبة متقطعة وغير كافية أو موثوقة.
- ثانياً، جرت الثورة الصناعية ببريطانيا في ظل بيئة مؤسسية مختلفة تماماً، حيث لم يكن هناك حق اقتراع عام، ولا نقابات عمالية قانونية، ولا دولة رفاهية حديثة، بل يمكن القول، إن هذه الأمور جاءت كونها استجابات اجتماعية لاحقة للثورة الصناعية. من الصعب فهم سبب توقعنا لتكرار ديناميكيات تحديد الأجور في الماضي اليوم.
- الأهم من ذلك، هذه المقاييس الكمية لا تعكس مدى تأثير الثورة الصناعية العميق على طبيعة العمل لكثير من الناس، سواء كان ذلك إيجابياً أم سلبياً، وكما يقول المؤرخ إي. بي. طومسون في كتابه «تكوين الطبقة العاملة الإنجليزية»، دارت بعض أشد الصراعات ضراوة في تلك السنوات حول قضايا لا تشملها مؤشرات تكلفة المعيشة: الصحة، وساعات العمل، وعمالة الأطفال، والأمن، والاستقلال.
وينطبق الأمر نفسه اليوم، حيث بدأت الخلافات تندلع حول قضايا تتجاوز النطاق الاقتصادي: التكاليف البيئية، والملكية الفكرية، وبرامج الدردشة الآلية، وسلامة الأطفال، وعندما أجرت شركة «أنثروبيك» مقابلات مع 80 ألف مستخدم لبرنامج الدردشة الآلي «كلود» في 159 دولة.
وجدت أن الناس كانوا قلقين بالفعل بشأن الوظائف والاقتصاد، لكنهم كانوا قلقين أيضاً بشأن الموثوقية، والاستقلالية، والقدرة على اتخاذ القرارات، والتدهور المعرفي، والحوكمة.
وفي حين أن البيانات المتاحة لا تقدم الكثير من المعلومات حول كيفية تعامل أسلافنا مع هذا التغيير العميق، فإن الخبر السار هو توفر مصادر أخرى، ولذلك فقد دعت الخبيرة الاقتصادية مارثا جيمبل، المديرة التنفيذية لمختبر ييل للميزانية، مؤخراً إلى قراءة الروايات العظيمة لتلك الحقبة.
ولفتت إلى أن مؤلفات مثل «شيرلي» لشارلوت برونتي، و«الشمال والجنوب» لإليزابيث جاسكل، و«كيف نعيش الآن» لأنتوني ترولوب، تُساعدنا على فهم «ما الذي دفع الناس للاستثمار في التقنية»، وما كان شعور العمال آنذاك، وكيف تغيّر المجتمع، وكيف استجاب أو لم يستجب لمن خسروا أعمالهم.
من جهة أخرى، تميل بيانات التوظيف الإجمالية في الأغلب إلى إخفاء مسألة من يربح ومن يخسر، ولذلك فقد طُويت صفحة العديد من قصص الثورة الصناعية، باستثناء «قصة اللوديين»، وتُسلّط ورقة بحثية حديثة لعالم الاجتماع التاريخي بنيامين شنايدر الضوء على مصير فئة من العمال غالباً ما يتم تجاهلها: وهن العاملات في الأغلب في مجال غزل الصوف اليدوي.
وكتب شنايدر في هذا السياق أنه في غضون ما يزيد قليلاً على 50 عاماً، «قضت الميكنة على مهنة كانت توفر فرص عمل لما يقرب من سدس النساء والأطفال، أي 8 % من إجمالي السكان».
ورغم أن الاختراعات الجديدة آنذاك ولّدت وظائف مختلفة، إلا أنها لم تذهب بالضرورة إلى أعضاء هذه الفئة، وقد وجد أن «العديد من هؤلاء النساء لم يجدن سوى فرص عمل موسمية وغير مستقرة في الزراعة، وبعضهن لم يجدن عملاً على الإطلاق».
إنني أعتقد أن شخصاً من القرن التاسع عشر كان سيشعر بالإحباط، لكنه لن يتفاجأ، من أن الناس في عام 2026 ما زالوا يتجادلون حول عصره من خلال عدسة المتوسطات الإحصائية.
وفي روايته «أوقات عصيبة» وصف تشارلز ديكنز فتاة تُدعى سيسي، كانت تعاني من صعوبة بالغة في استيعاب دروسها، لذلك، طلب منها معلمها أن تتخيل أن فصلها الدراسي هو دولة تمتلك «خمسين مليوناً من الأموال». وسألها: «ألا يعني ذلك أنها دولة مزدهرة؟»
«قلتُ إنني لا أعرف»، هكذا روت لاحقاً لصديقتها، وأضافت «إنني لا أستطيع معرفة ما إذا كانت دولة مزدهرة أم لا، إلا إذا عرفتُ من حصل على المال، وما إذا كان سينالني منه شيء»، فالأرقام، بالفعل، قد لا تقول شيئاً على الإطلاق.