كاتي مارتن

مع اقتراب ذروة موسم الصيف في نصف الكرة الشمالي، وبدء الأسواق في الدخول في حالة التباطؤ المعتادة وانخفاض السيولة، تزداد احتمالات حدوث تقلبات أو اضطرابات غير متوقعة خلال الأشهر المقبلة.

وقد شهدنا تلميحاً مبكراً لذلك الأسبوع الماضي من خلال بعض التحركات غير الاعتيادية في سعر صرف الين الياباني. وبوجه عام، يصنف الين، إلى جانب الدولار والفرنك السويسري، كعملات تحقق أداءً جيداً في أوقات الأزمات.

ورغم أنه ليس ملاذاً آمناً بالمعنى الدقيق، إلا أن «الفولكلور» السائد في الأسواق يشير إلى أنه خلال فترات الاضطراب، خاصة الجيوسياسية، يميل المستثمرون اليابانيون لإعادة أموالهم المستثمرة في الأصول الخارجية، ما يدفع بقيمة الين إلى الارتفاع.

وتبقى مسألة عودة تلك التدفقات على نطاق واسع موضع جدل بين الخبراء، إذ يرجح معظمهم عدم حدوثها بالحجم المتصور، إلا أن ذاكرة الأسواق تعد قوة مؤثرة في حد ذاتها، لذا عندما تقع أحداث مقلقة، خاصة ذات طابع جيوسياسي، فغالباً ما يرتفع الين.

لكن المفاجأة كانت في رد فعل الين إزاء التصعيد الأخير للعنف بين إيران وإسرائيل مع تدخل الولايات المتحدة، فبدلاً من الصعود المتوقع، شهد الين ضعفاً ملحوظاً، حيث ارتفع الدولار إلى 148 يناً مع بداية الأسبوع الجاري، مسجلاً أضعف مستوى للين خلال شهر كامل.

وقد لا يبدو انخفاض الين إلى أدنى مستوى له خلال شهر أمراً بالغ الأهمية، وبالنسبة لغالبية المتعاملين والمراقبين، لم يكن كذلك بالفعل، غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن المراهنة على ضعف الدولار وقوة الين باتت استراتيجية شائعة بين صناديق التحوط ومستثمري المضاربة.

وعندما بدأت هذه الرهانات بالتراجع، شهدنا ما وصفه دومينيك بانينغ، المحلل في مؤسسة «نومورا»، بأنه «ضغط سوقي مؤلم»، حيث وصل الأمر به إلى الاقتراب من التخلي عن توصيته للعملاء بشراء العملة اليابانية، وهي لحظة ليست مريحة أبداً لمسوق الأفكار الاستثمارية في بنك استثماري مرموق.

والأهم من ذلك، تشير هذه الحادثة إلى أن المراهنة ضد الدولار الأمريكي أصبحت كثيفة، ومن لا يمتلك ذاكرة قصيرة سيتذكر كيف يمكن للرهانات المزدحمة أن تتحول بسرعة مذهلة إلى خسائر فادحة. فخلال صيف العام الماضي فقط، ارتفعت قيمة الين بشكل مفاجئ.

وفي الوقت ذاته، انخفضت أسهم التكنولوجيا الأمريكية، حيث واجه مركزان استثماريان مترابطان وشائعان للغاية (المراهنة على الين والاستثمار في التكنولوجيا الأمريكية) في صناديق التحوط الكبرى فشلاً مفاجئاً، ثم انعكس اتجاههما بسرعة فائقة.

وقد بلغت فوضى الأسواق حداً غير مسبوق، أو هكذا قيل لي، إلى درجة أن أسواق السندات بدأت تسعر احتمال قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض طارئ لأسعار الفائدة، وهو سيناريو استثنائي بكل المقاييس.

وبطبيعة الحال، لم يتحقق هذا الخفض الطارئ أبداً، لكن الأسواق تبقى عرضة بشكل خاص للمبالغة في ردود أفعالها خلال موسم العطلات الصيفية، حين يبتعد المتداولون عن مكاتبهم، وتبدأ الفجوات في الظهور في المواضع التي تشغلها عادة أسعار سوقية ثابتة وقابلة للتداول.

ومن الأهمية بمكان، إذن، إيلاء اهتمام دقيق للمجالات التي تحظى بإجماع واسع النطاق في الأسواق المالية، تحسباً لتعرضها لتقلبات صيفية مماثلة، ويعد الين الياباني أحد هذه المجالات البارزة.

فإذا كانت الولايات المتحدة غير راغبة أو غير قادرة على خفض أسعار الفائدة، سواء بسبب التضخم المرتفع أو الأداء الاقتصادي الأفضل من المتوقع في بداية العام الجاري، فإن صعود الين الذي يأمل فيه المضاربون قد لا يتحقق.

وتجدر الإشارة إلى أن البنوك الاستثمارية والبنوك المركزية على حد سواء باتت أقل تشاؤماً بشأن الآفاق الاقتصادية الأمريكية، وهو ما يمثل مخاطر إيجابية تستحق الاهتمام الجاد والمتابعة الحثيثة من المستثمرين والمحللين.

ويرى كريس سيكلونا، المحلل في أسواق رأس المال «دايوا»، أن استمرار التراجع المنظم للدولار لا يزال السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة القادمة، وأن حدوث اضطراب صيفي في سعره مقابل الين يبقى أمراً مستبعداً، رغم أن هذا التوقع قد يكون، كما أشار بنفسه، آخر كلماته الشهيرة، في إشارة إلى احتمالية أن تثبت الأحداث عكس توقعاته.

ومن المعروف أن الصدمات، يستحيل التنبؤ بها بدقة، ويشير سيكلونا بحكمة إلى أن مناطق أخرى في الأسواق، التي شهدت أداءً قوياً منذ بداية العام، قد تكون أكثر عرضة للتراجع أو الارتداد المفاجئ.

فعلى سبيل المثال، شهدت عملات أوروبية مثل الفرنك السويسري والكرونة السويدية أداءً رائعاً، وكذلك سجلت الأسهم الأوروبية صعوداً قوياً وغير معتاد. وحتى أولئك، ممن هم مثلي.

ممن يؤمنون بتحول طويل الأمد من الاستثمار في الولايات المتحدة إلى أوروبا، يمكنهم الاعتراف بأن ارتفاع الأسهم الألمانية بنسبة 18% هذا العام وحده يبدو مفرطاً بعض الشيء.

في المقابل، تمضي الأسهم الأمريكية بخطى بطيئة خلف نظيرتها الأوروبية، فإذا استمر الرئيس دونالد ترامب في التراجع عن اتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة، فربما تتمكن هذه الأسهم من تعويض تأخرها ويحظى الدولار الأمريكي ببعض زخمه، وربما يكون التشاؤم تجاه الدولار مبالغاً فيه.

وتجدر الإشارة إلى أن التقلبات المؤقتة التي تشهدها الأسواق خلال موسم الصيف تميل إلى التلاشي بنفس سرعة زوال سمرة البشرة من أشعة الشمس. إلا أن آثارها قد تكون مؤلمة للمستثمرين. ومن ثم، فإن توخي الحيطة والحذر في هذه الفترة قد يكون ذا فائدة كبيرة.