تريفور غريثام
يعاني المستثمرون تناقضاً معرفياً بشأن موضوع التضخم، فالعالم يمر بأزمة طاقة تبدو مستعصية على الحل، على غرار أزمة السبعينيات، وهو ما قد يؤدي إلى دوامة من ارتفاع الأجور والأسعار، ويدفع العالم إلى الركود. في الوقت نفسه، تعد ثورة الذكاء الاصطناعي باستبدال قطاعات واسعة من القوى العاملة، ما يعزز الأرباح ويبقي التضخم منخفضاً.
وقد يميل بعض المستثمرين إلى تجاهل هذا الأمر. فالاقتصاد العالمي نظام معقد، وستظل بعض الأسعار ترتفع في حين تنخفض أخرى. لكن الانهيار الأخير في سوق السندات الحكومية يذكرنا بقوة بأن القوى الدافعة للتضخم، والناجمة عن أزمة الشرق الأوسط، تعمل الآن. وقد تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى كبح النشاط الاقتصادي.
وكما أظهرت طفرة شركات الإنترنت، فإن الاستثمارات التقنية ليست بمنأى عن الانكماش الاقتصادي، مهما كان تأثيرها النهائي في الإنتاجية كبيراً. وفي ظلّ التضخم الحاد، يحتاج المستثمرون إلى تنويع محافظهم الاستثمارية من الأسهم والسندات عبر سلة واسعة من السلع، مع ضرورة الاستعداد لدورات اقتصادية أقصر وأكثر حدة مع ارتفاع وانخفاض أسعار الفائدة.
وطالما كان التضخم المنخفض والمستقر هو السائد في الدول المتقدمة، إلا أنه كانت هناك فترات للتضخم المرتفع خلال الحربين العالميتين وفي سبعينيات القرن الماضي. فقد ارتفع سعر نفط الشرق الأوسط الفوري بأكثر من أربعة أضعاف بعد حرب أكتوبر، ثم تضاعف ثلاث مرات خلال الثورة الإيرانية.
وشكّلت جائحة كورونا بدايةً لنظام مماثل، حيث جعل تراجع العولمة وعدم الاستقرار الجيوسياسي والديون الحكومية المفرطة الاقتصادات المتقدمة عرضةً لصدمات الأسعار. وجاءت الصدمة الأولى عندما استمر تطبيق مستويات التحفيز الاقتصادي التي كانت سائدة في زمن الحرب لفترة طويلة جداً في مرحلة إعادة فتح الاقتصاد بعد الجائحة.
أما الصدمة الثانية، فتتمحور مجدداً حول الشرق الأوسط، مع الأزمة التي لحقت بإمدادات النفط الخام نتيجة إغلاق مضيق هرمز والهجمات على منشآت الطاقة. وبينما ينتظر المستثمرون حلّ النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، تلحق أضرار جسيمة بسلاسل التوريد العالمية، ما يضع البنوك المركزية في مأزق، حيث ينبغي عليها رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، لكن التاريخ أثبت عدم رغبة هذه البنوك أو عجزها عن عكس الارتفاع الكبير وغير المتوقع في الأسعار.
هذا كله جزء من نمط مألوف، فطول الفترة منذ عام 1915، كان التضخم في المملكة المتحدة منخفضاً ومستقراً لثلثي الوقت، حيث ارتفعت أسعار التجزئة بمعدل 2 % سنوياً. وفي الثلث المتبقي، بلغ متوسط التضخم 10 %، نتيجةً لصدمة أو أكثر في مستوى الأسعار، ما أدى إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي.
وبينما عانت بعض الدول من تضخم مرتفع، بل مفرط، فإن فترات «التضخم الحاد» هذه كانت عالمية، حيث لوحظت ظاهرة مماثلة في كل مكان.
وكما هو متوقع، تتأثر عوائد الاستثمار بشكل كبير بنظام التضخم. وتحقق الأصول المالية أفضل أداء لها عندما يكون التضخم في انخفاض.
ويشير تحليل لمجموعة بيانات من الخبير الاقتصادي روبرت شيلر إلى أن الأسهم الأمريكية تفوقت على التضخم بمعدل 10 % سنوياً خلال سنوات التضخم المنخفض، في حين حققت سندات الخزانة عائداً جيداً بنسبة 4 % سنوياً، متجاوزةً معدل التضخم. في المقابل، فإنه خلال فترات التضخم الحاد، لم تتجاوز مكاسب الأسهم الأمريكية 2 % سنوياً بالقيمة الحقيقية، في حين انخفضت سندات الخزانة بنسبة 2 % سنوياً على نفس الأساس.
ومن نواحٍ عدة، كانت الفترة منذ أبريل 2020 نموذجية للتضخم الحاد. فقد تكبدت السندات الحكومية خسائر أكبر من المعتاد، نظراً لانخفاض عوائدها إلى ما يقارب الصفر. وانخفضت سندات الخزانة الأمريكية بنسبة 9 % سنوياً تقريباً بالقيمة الحقيقية. ومع ذلك، لم تكن عوائد سوق الأسهم مخيبة للآمال. فقد حقق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 متوسط عائد حقيقي قدره 14 % سنوياً. كما يسجل المؤشر مستويات قياسية جديدة رغم التوترات في الشرق الأوسط.
وتزامن ارتفاع التضخم مع موجة من الأرباح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما دعم السوق الأمريكية. وفي الوقت الراهن، تحقق استراتيجية تركز على أسهم الطاقة والسلع والتكنولوجيا أداءً جيداً، لكن مع انخفاض مخزونات النفط بمعدل ينذر بالخطر، لا بد من حدوث تغيير.
قد يسمح اتفاق سلام يُعيد تدفق النفط للأسواق بتجاهل الارتفاع في التضخم، إلا أننا سمعنا الكلام نفسه عام 2021؛ لذلك تجد البنوك المركزية نفسها مجدداً متأخرة عن الركب، وتحاول جاهدة اللحاق به مع استمرار التضخم المرتفع.
وعموماً، يُعدّ التنويع خط الدفاع الأول ضد عدم اليقين، وينبغي على المستثمرين تضمين أدوات تحوط فورية ضد التضخم، مثل السلع، في محافظهم الاستثمارية. وسيكون اتباع نهج استباقي في التخصيص التكتيكي للأصول أكثر أهمية من أي وقت مضى، خاصة في ظل تقلبات المخاطر الجيوسياسية وتذبذب الاقتصاد العالمي بين الازدهار والركود.