آلان بيتي

إذا نظرنا إلى الاقتصاد السياسي لسويسرا، فربما يكون وصف «النزعة القومية المدمرة للذات» أول ما يتبادر إلى الذهن، فالسويسريون سيصوتون خلال أيام في أعقاب حملة قادها حزب الشعب السويسري اليميني، في استفتاء لتحديد سقف عدد السكان عند 10 ملايين نسمة. 

وتلقى هذه الخطوة معارضة شديدة من قادة الأعمال، فنظراً لانخفاض معدل المواليد في البلاد، ستزيد هذه الخطوة من حدة نقص العمالة في المستقبل.

وتأتي الغالبية العظمى من المهاجرين إلى سويسرا من دول أوروبية غنية، ولا سيما إيطاليا وألمانيا. ويؤكد منع دخول المهاجرين ذوي الإنتاجية الاقتصادية والتشابه الثقافي، التناقض بين الضرورة الاقتصادية لاستقبال المهاجرين والمطالب المتزايدة للناخبين لمقاومتهم.

وتتراجع معدلات المواليد العالمية، بينما يرتفع متوسط العمر المتوقع. وتحولت الدول التي كانت تصدر العمالة تقليدياً، مثل بولندا، إلى دول تستوردها. وعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، لا سيما في الدول الأوروبية، أسهم المهاجرون في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي من خلال تعويض النقص في المعروض من العمالة المحلية.

وكما تشير شركة الاستشارات الاقتصادية «أكسفورد إيكونوميكس» في محاكاة لانعدام الهجرة العالمية، فإن النمو الاقتصادي في الدول التي تضم نسبة عالية من المهاجرين في سن العمل - كإيطاليا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة - سيتأثر سلباً. وهناك منافسة عالمية على المهاجرين في سن العمل وذوي المهارات العالية، لكن الرأي العام في الدول الغنية غالباً ما يجبر الحكومات على تبني سياسات مضادة.

ومن المعلوم أن زيادة الهجرة وحدها لا تعوض ارتفاع متوسط العمر المتوقع وانخفاض معدل المواليد. ويجب أن تسهم زيادة الإنتاجية و/ أو زيادة المعروض من العمالة من خلال ارتفاع معدلات التوظيف ورفع سن التقاعد في الجزء الأكبر من الحل.

لكن محاكاة انعدام الهجرة في فرنسا تظهر أن إلغاء الهجرة يعني أيضاً انخفاض الإنتاجية الإجمالية. ولا تحل الهجرة جميع المشكلات، لكن من الصعب تصور حلٍ مقنع لمشكلة شيخوخة السكان دون اتباع نهج اقتصادي واقعي تجاه المهاجرين كجزء من حزمة سياسات الحل.

ويعد المهاجرون المؤقتون الذين يتناوبون على العمل بعقود متوسطة الأجل أحد الحلول المتاحة للخروج من هذه المعضلة. وهذا موضوع يستحق دراسة مستفيضة، لكن عدداً من خبراء الهجرة يرونه حلاً عملياً.

ويطلق هاين دي هاس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة أمستردام، على هذا الأمر اسم «وهم العمالة المؤقتة»، في إشارة إلى ما حدث في ألمانيا ما بعد الحرب، حيث انتهى المطاف بعمال من تركيا وغيرها من الدول، كان من المفترض أن يندرجوا ضمن فئة العمال المؤقتين، إلى الحصول على الإقامة الدائمة. ويقول: «من الصعب للغاية على أي بلد متحضر تطبيق سياسة الترحيل القسري الجماعي».

والخيارات المتبقية أمام الحكومات هي إما الصدق، بتوضيح الحاجة إلى المهاجرين، أو التلاعب، بفرض قسوة شكلية على فئة صغيرة من المهاجرين كغطاء لاستقبال أعداد كبيرة من العمال.

وقد جربت بعض الحكومات الخيار الأول، لكن الكثير منها يميل للخيار الثاني. وفي حالة واحدة على وجه الخصوص - المملكة المتحدة - تفشل هذه السياسة فشلاً ذريعاً.

ويشير دي هاس إلى أن أقرب مثال إلى المسار الصادق - والشجاع هو بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، الذي احتفى بالمساهمة الاقتصادية للمهاجرين، ويعتزم منح نصف مليون مهاجر غير شرعي - من أصل 50 مليون نسمة تقريباً في إسبانيا وضعاً قانونياً.

وقد يخسر سانشيز السلطة في الانتخابات العامة العام المقبل، لكن يبدو أن ذلك مرتبط أكثر بادعاءات الفساد في حزبه الاشتراكي منه بتمرد واسع النطاق ضد الهجرة.

وللإنصاف، فإن مهمة إسبانيا أسهل من معظم الدول، إذ إن شريحة كبيرة من المهاجرين تأتي من دول أمريكا اللاتينية التي ترتبط بإسبانيا بصلات لغوية وتاريخية قوية.

على النقيض تماماً، تركت الاستراتيجية السياسية والاقتصادية غير الكفؤة المملكة المتحدة في وضع كارثي. وكنت كتبت سابقاً أن استراتيجية التضليل طويلة الأمد تبدو وكأنها تنحرف عن مسارها، وقد ثبت ذلك. وقد ورثت حكومة كير ستارمر قضية المهاجرين الذين يعبرون القنال الإنجليزي في قوارب صغيرة، وضخمتها بشكل مبالغ فيه.

ويتجاهل الرأي العام البريطاني الواقع، فقد انخفضت أعداد المهاجرين في القوارب الصغيرة هذا العام، لكن الناخبين ما زالوا معادين بقوة للهجرة.

ورحبت الحكومة بانخفاض الهجرة الإجمالية بعد تشديد القواعد المتعلقة بعمال الرعاية والمهاجرين ذوي المهارات، لكن هذا يزيد ببساطة الضغط المستقبلي على الإنفاق العام والضرائب، بل وعلى سير عمل دور رعاية المسنين.

من جانبها، نجحت دول أوروبية أخرى في تحقيق التوازن بشكل أفضل. فقد بذلت ألمانيا جهوداً حثيثة لجذب المهاجرين الهنود للعمل في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة عبر اتفاقية تنقل ثنائية لا تتضمن عودة قسرية.

ويبدو أن هذه الاستراتيجية ناجحة حتى الآن، وإن كانت لا تمثل سوى حل جزئي فقط. أما جورجيا ميلوني في إيطاليا، فتستمر في تطبيق استراتيجيتها المتشددة تجاه اللاجئين العابرين للبحر الأبيض المتوسط كغطاء سياسي لإصدار ما يقارب نصف مليون تأشيرة عمل لغير مواطني الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2028، إلا أن استدامة هذه الاستراتيجية غير واضحة.

وهكذا، تتفاقم معضلة الهجرة الديموغرافية عاماً بعد عام، ولم تجد إلا قلة من الحكومات حلولاً مستدامة. والتداعيات السياسية لهذه الأزمة وخيمة بلا شك، لكن التوصل إلى حل شامل يظل أمراً بعيد المنال.