مارتن وولف

كانت المملكة المتحدة، قبل أربعة عقود، رائدة في خصخصة الصناعات المملوكة للدولة. وفي البداية، انصبّ تركيز البلاد على عدد قليل من الشركات الكبرى.

لكن هذا تغيّر بمرور الوقت، حيث عملت الحكومة على خصخصة الاحتكارات أو شبه الاحتكارات، ثم شرعت في إبرام عقود مع موردين من القطاع الخاص لتقديم مجموعة واسعة من الخدمات العامة الأساسية. والآن، أصبحت التجربة طويلة ومتنوعة بما يكفي لاستخلاص بعض الدروس المهمة، ولعلّ أهمها ضرورة مراعاة المبادئ الاقتصادية الأساسية.

إنه إذا تنافس العديد من الموردين في سوق ما على تقديم سلعة أو خدمة، وكان المستهلكون على دراية جيدة بما يشترونه وقادرين على التحول بسهولة إلى موردين آخرين، وتحمل أصحاب الأعمال تكلفة الفشل، فستكون الشركات الخاصة التي تسعى للربح هي أفضل طريقة لتوفير هذه السلع أو الخدمات.

لكن الوضع يختلف تماماً إذا لم يكن لدى المستهلكين أي خيار فعلي، إما بسبب ضعفهم أو عدم قدرتهم على اتخاذ قرارات مستنيرة. وفي مثل هذه الحالات، يجب على الدولة التدخل، إما بصياغة العقود أو مراقبتها، وتعيين وتوجيه الجهات الرقابية.

ومتى كانت هذه هي الحال، فلا يمكن أن يوجد افتراض عام لصالح العرض من الكيانات الساعية إلى تحقيق الربح. وتكمن الحُجة الأساسية لصالح الموردين من القطاع الخاص في أنهم سيظلون مدفوعين بعرض السلع والخدمات بأرخص ما يمكن.

والحُجة السياسية البحتة وراء ذلك هي أن العقود الخاصة تسمح للحكومة بتفادي القيود التي تفرضها على اقتراض القطاع العام حتى وإن كانت الإيرادات تستخدم في خلق أصول منتجة.

أما الحُجة المضادة، فتقول إن موردي القطاع الخاص سيصبحون مستغلين على نحو قاسٍ في ظل غياب الرقابة الفعالة والعقوبات الرادعة، وسيتوجهون إلى بيع سلع وخدمات بالية، وسيفرضون الكثير من التكاليف الخفية، وسيلقون بالمخاطر على كاهل الآخرين، خاصة دافعي الضرائب.

وإن صح ذلك، فسيكون سلوكاً منطقياً. وستكون الرقابة هي الرد المناسب في مواجهة ذلك، لكن المراقبين قد يخضعون للسيطرة، وكثيراً ما يحدث ذلك. وعموماً، فإن تجربة المملكة المتحدة طويلة بما يكفي لتسليط الضوء على هذه الاحتمالات.

وفي عهد مارغريت تاتشر، كانت «بريتيش تيليكوم» و«بريتيش بتروليوم» والخطوط الجوية البريطانية، و«بريتيش إيروسبيس» و«بريتيش غاز» و«رولز رويس» و«روفر» و«بريتيش ستيل» وصناعة الكهرباء، من بين الصناعات التي خضعت للخصخصة.

وكان الكثير من هذه الصناعات، أو سرعان ما أصبحت، تعمل في أسواق تنافسية تماماً. لكن ظلت صناعتا الطاقة والاتصالات خاضعتين لهيئات تنظيمية خاصة بهما، حتى رغم إمكانية إدخال عنصر التنافسية بكل منهما.

ويُعزى السبب في هذا جزئياً إلى تمتع كلتا الصناعتين بدرجة من القوة الاحتكارية، لأن أمن الإمدادات كان ضرورياً في كلتا الحالتين. وظهرت حالتان مثيرتان للجدل في نهاية المطاف، وهما المياه والسكك الحديدية. وتُعد المياه مجالاً تقليدياً لممارسة الاحتكار، بينما تشتمل صناعة السكك الحديدية على بعض عناصر الاحتكار.

وإذا عدنا إلى الوراء وفحصنا كل ذلك، لوجدنا أن التجربة أكدت توقعات خبراء الاقتصاد، وتنطوي على أنه كلما كانت المنافسة كبيرة وكانت احتمالية إشهار الإفلاس أكبر، كلما كانت عمليات الخصخصة أقل إثارة للجدل في عصرنا اليوم. وليس من المستغرب أن المياه والسكك الحديدية كانتا مسببة للمشكلات.

ففي حالة الأولى، كان الاستغلال وتجاهل التكاليف البيئية في صلب الشكاوى. وعلى صعيد الثانية، تكمن المشكلة في عدم إيجاد طريقة أفضل لفصل البنية التحتية (السكك الحديدية) عن الخدمات (القطارات).

ومع ذلك، فقد حدث أمر آخر، بحسب إشارة سام فريدمان في كتابه الجديد بعنوان «الدولة الفاشلة». وهو يتعلق في خصخصة الخدمات العامة التي لا توجد لها احتكارات طبيعية، والتي لا يوجد لديها عملاء على دراية وقادرون على العناية بأنفسهم والتحوّل إلى موردين آخرين إذا لزم الأمر.

والأمثلة على ذلك تشمل دور رعاية كبار السن والأطفال، والسجون، وخدمات المتابعة والمراقبة بعد الإفراج. والكتاب يحوي أكثر من ذلك.

لكن فريدمان، في معرض حديثه عن دور رعاية الأطفال، خلص إلى أنها «إدانة مذهلة للدولة البريطانية، لأنه لم يعد بمقدورها توفير الرعاية لمن هم في أمسّ الحاجة إليها، والسماح، عوضاً عن ذلك، لأناس غير مؤهلين بصورة فجة بأن يفرضوا رسوماً باهظة لتوفير مستويات غير مقبولة من الرعاية».

ويبدو من ذلك أن الكثير من عمليات الخصخصة هذه إنما فرِضَت على الحكومات المحلية لإخفاء مسؤوليتها عن رفض توفير التمويل الكافي لهذه الخدمات بموجب السياسة مفرطة المركزية للمملكة المتحدة.

ومع ذلك، يثير هذا الأمر أسئلة مهمة: هل الشركات الساعية إلى تحقيق الربح هي أفضل طريقة لتوفير مثل هذه الخدمات؟ ألم يكن من الأفضل لو كانت السلطات المحلية هي التي تقدم هذه الخدمات؟ وفي ضوء أوجه الإخفاق المعروفة للأخيرة، ألم يكن من الحكمة النظر في شكل من أشكال التمويل المتبادل أو الخيري كبديل؟ لقد حان الوقت لدراسة أكثر عمقاً للمجالات التي لا تفلح معها الخصخصة، ثم، وحسب ما قد يصرّح به السير كير ستارمر، النظر في بعض «التغيير».