سيمون ماندي

هل تفقد الولايات المتحدة تفوقها في مجال تمويل التكنولوجيا النظيفة؟ لا أزال أذكر صيف عام 2022 حينما أثار إقرار قانون «خفض التضخم»، الذي يركز على دعم الطاقة النظيفة، قلقاً بالغاً في أوساط صانعي السياسات الأوروبيين.

في ذلك الوقت عبّر عدد من المسؤولين في أوروبا عن خشيتهم من أن تؤدي الحوافز المالية السخية، التي أتاحها التشريع الأمريكي إلى استقطاب موجة من الاستثمارات الخضراء العابرة للأطلسي، على حساب القارة العجوز، لكن بعد ما يقرب من ثلاث سنوات يخضع هذا القانون لتفكيك تدريجي على يد الجمهوريين في الكونغرس.

وتم بالفعل إلغاء مشاريع طاقة نظيفة، تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، بينما تواجه شركات تكنولوجيا خضراء بارزة مثل «سنوفا» و«وولفسبييد» شبح الإفلاس.

وفي مؤشر مقلق بدأ المستثمرون في هذا القطاع، الذين لطالما ركزوا بشكل كبير على السوق الأمريكية، بسحب أموالهم بوتيرة لافتة، وتحويلها إلى وجهات أخرى، لتكون أوروبا المستفيد الأكبر من هذا التحول.

هذا ما كشفته بيانات حديثة صادرة عن رومي محمود، وليندا إيلينغ لي من معهد «إم إس سي آي» للاستدامة، حيث أجريا دراسة على محافظ 1528 صندوقاً عالمياً، يركز على المناخ، وتبلغ قيمة أصولها مجتمعة نحو 600 مليار دولار.

ومنذ بداية سلسلة البيانات في عام 2018 كانت الأصول الأمريكية تمثل ما لا يقل عن 65% من حيازات هذه الصناديق.

وارتفعت النسبة إلى 69% العام الماضي، إلا أن هذه الحصة تراجعت بشكل ملحوظ إلى 61% بنهاية مايو من العام الحالي، في حين ارتفعت حصة أوروبا إلى 25% مقارنة بـ19% العام الماضي.

وزادت حصة منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى 13% بعدما كانت 9 %. ويُعزى هذا التراجع جزئياً إلى انخفاض أسعار أسهم العديد من شركات الطاقة النظيفة الأمريكية، على خلفية التحول السلبي في السياسات الحكومية تجاه هذا القطاع.

بالإضافة إلى حملة الرسوم الجمركية، التي يقودها دونالد ترامب، والتي وجهت ضربة قاسية إلى الشركات العاملة في هذا المجال. وتشير تقديرات محمود وإيلينغ لي إلى أن هذه التحركات السوقية تفسر نحو نصف هذا التحول، فيما يعود الجزء الأكبر منه إلى قيام مديري الصناديق ببيع الأصول الأمريكية.

وتوجيه العائدات نحو أسواق أخرى. وعلى صعيد سياسات الطاقة النظيفة تبدو أوروبا أكثر استقراراً مقارنة بحالة الارتباك، التي تشهدها الولايات المتحدة في عهد ترامب، وصحيح أن الاتحاد الأوروبي واجه انتقادات بسبب تخفيفه بعض قواعد الإفصاح الخاصة بالاستدامة.

كما أنه لا يزال تحت ضغط قطاعات الصناعة لتخفيف قيود أخرى، إلا أن المفوضية الأوروبية تمسكت، بوجه عام، بالأهداف الأساسية لاستراتيجيتها طويلة الأمد لإزالة الكربون.

وقد يعترض المتفائلون بالاقتصاد الأمريكي على هذه الأرقام، ويقولون إنها تعكس بشكل رئيسي تحولات في التقييمات وتخصيص الأصول في الأسواق الثانوية، لا حجم التمويل الفعلي المتدفق إلى شركات التكنولوجيا النظيفة. وفي الأسواق الأولية لا يبدو أن هناك حتى الآن مؤشرات واضحة على تأثير عودة ترامب.

وفي هذا السياق تعد قاعدة البيانات التي يديرها موقع «نت زيرو إنسايتس» مصدراً مفيداً، إذ يتابع التمويل الذي تجمعه الشركات العالمية المتخصصة في تكنولوجيا المناخ، بدءاً من الطاقة المتجددة ووصولاً إلى البروتينات البديلة.

وتشير البيانات إلى أن الشركات الأمريكية جمعت، حتى الآن هذا العام، تمويلاً عبر الدين والأسهم، بلغ 22 مليار دولار، أي ما يعادل 110% من إجمالي التمويل، الذي جمعته الشركات الأوروبية والآسيوية مجتمعة.

وهذه النسبة تفوق ما كانت عليه العام الماضي (86%)، لكنها تظل أقل بكثير من ذروتها في عام 2021، عندما بلغت 169%، ومن المعروف أن أرقام أسواق رأس المال الوطنية تعطي صورة مشوهة نسبياً عن القوة النسبية للدول في مجال التكنولوجيا النظيفة.

ويُعزى ذلك في جانب كبير إلى اعتماد الشركات الصينية بشكل كبير على التمويل المصرفي، ما مكنها من تعزيز موقعها في مجالات رئيسية عدة ضمن تكنولوجيا خفض الانبعاثات.

وتظهر الحصة الآسيوية المتزايدة في الأرقام المذكورة تحولاً تدريجياً في مصادر تمويل هذه الشركات. مع ذلك ظلت الولايات المتحدة لسنوات طويلة مركزاً مهماً لتدفقات الاستثمار في تكنولوجيا المناخ، بفضل منظومة رائدة عالمياً لتطوير وتسويق الابتكارات التكنولوجية، ما يُعد مؤشراً إيجابياً لمكانتها المستقبلية في الاقتصاد منخفض الكربون، لكن الفرصة أصبحت سانحة الآن أمام صانعي السياسات والشركات في أوروبا وآسيا وغيرها، لجذب حصة أكبر من هذه التدفقات الرأسمالية.

عموماً فإنه رغم أن أمريكا لا تزال لاعباً قوياً في مجال التكنولوجيا النظيفة، خصوصاً في أكثر قطاعاتها تطوراً، إلا أن موقعها التنافسي بات أكثر هشاشة.