من المتوقع أن تستغرق الأمور وقتاً ليس بالقصير حتى تعود إمدادات الطاقة العالمية إلى وضعها الطبيعي، حتى عند التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز.
وبدا أن الولايات المتحدة وإيران تحرزان تقدماً نحو اتفاق قد يُعيد فتح مضيق هرمز بعد ثلاثة أشهر من الانخفاض الكبير في تدفقات النفط والغاز.
ورغم أن المخزونات وغيرها من التدابير قد خففت جزئياً من حدة النقص حتى الآن فقد حذر بنك جيه بي مورغان من أنه في ظل معدلات السحب الحالية، وبدون اتفاق قد تصل مخزونات النفط التجارية إلى مستويات منخفضة للغاية بحلول يونيو، وحتى عند إعادة فتح المضيق فإن تدفقات الطاقة ستستغرق شهوراً للعودة إلى وضعها الطبيعي، وستظل الحكومات تواجه مفاضلات صعبة، واحتمالية الحاجة إلى فرض قيود على الطلب على الوقود.
ومتى ما بدأت عملية إعادة فتح المضيق فإن استئناف الإمدادات عبره ليس بالأمر السهل، فمع انعدام القدرة على التصدير أُغلقت العديد من حقول النفط تماماً؛ وتشير تقديرات «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن بعضها قد يستغرق سبعة أشهر لإعادة التشغيل، وسيتعين توجيه جزء من تدفقات النفط المستأنفة إلى إعادة بناء الاحتياطيات، ويجب ألا ننسى أن بعض منشآت الغاز الطبيعي المسال قد طالها الضرر وتحتاج إلى إصلاح.
كذلك ستحتاج نحو ألفي سفينة عالقة في الخليج إلى إعادة التموضع وتفريغ حمولاتها.
وقد صرّح معالي الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، بأن الأمر سيستغرق أربعة أشهر على الأقل لكي تعود حركة الملاحة عبر المضيق إلى 80 % من مستويات ما قبل الحرب، مع توقع عودة الأمور إلى طبيعتها تماماً قبل النصف الأول من عام 2027 أما إزالة الألغام فستستغرق شهوراً.
وبالتالي قد تبقى إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والعديد من المنتجات المكررة شحيحة حتى أواخر العام، لذلك ما هو أفضل نهج للحكومات لترشيد استهلاك الطاقة؟ إن أنجع السبل، قدر الإمكان، هو ترك قوى السوق تعمل وفقاً لآلياتها، فارتفاع أسعار الوقود يشجع المستهلكين على ترشيد استهلاك الطاقة والتحول إلى مصادر أخرى، ففي أوروبا، على سبيل المثال، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية إلى مستوى قياسي في مارس، ومع ذلك يواجه السياسيون ضغوطاً لتقديم بعض الدعم لمواجهة غلاء المعيشة.
وكانت أكثر الاستجابات الحكومية شيوعاً حتى الآن هي تحديد سقف للأسعار وتخفيض الضرائب على الطاقة.
وألغت وزيرة الخزانة البريطانية، راشيل ريفز، الأسبوع الماضي زيادة مخططاً لها في ضريبة الوقود، لكنها قوبلت برفضٍ من تجار التجزئة الذين حاولت الوزيرة إقناعهم بتجميد أسعار السلع الأساسية «طوعاً».
وتُنذر هذه السياسات بتفاقم النقص في السلع، ويعد تقديم الدعم المباشر للفئات الأكثر ضعفاً خياراً أكثر حكمة لتجنب طمس مؤشرات الأسعار وإرهاق المالية العامة.
على أية حال لا تزال هناك حاجة لبذل جهود للحد من الطلب على الوقود، ويمكن لحملات التوعية أن تسهم بشكل ما في هذا الإطار، وأطلقت الحكومة الأسترالية الشهر الماضي حملات إعلانية بقيمة 20 مليون دولار تحثّ السائقين على تفريغ صناديق سياراتهم، ونفخ الإطارات، وإزالة حوامل الأمتعة من السقف لتقليل استهلاك الوقود، وقد نصحت العديد من الدول الآسيوية، أو فرضت، العمل من المنزل لتخفيف استهلاك الوقود في التنقلات اليومية، مع أن هذا قد لا يكون مناسباً لجميع القطاعات، كما يمكن تحفيز من يضطرون للتنقل على استخدام وسائل النقل العام ومشاركة السيارات، وخفّضت باكستان حدود السرعة على الطرق السريعة والطرق الوطنية.
بإمكان الشركات المساهمة في تخفيف الضغط على وقود الطائرات من خلال الحد من السفر الجوي لأغراض العمل.
وبما أن الصناعة تستهلك نحو خُمس الطلب العالمي على النفط ينبغي على الحكومات تشجيع المصانع على التحول، كلما أمكن، إلى استخدام المواد الخام الأكثر توافراً، كترشيد استهلاك غاز البترول المسال للاستخدامات المنزلية الأساسية على سبيل المثال.
وقد عدّلت الأرجنتين القوانين للسماح بنسبة أعلى من الإيثانول في مزيج البنزين. كما يمكن أن يسهم تشجيع الشركات على إيقاف العمليات غير الضرورية، وتقديم الدعم اللازم لإصلاح التسريبات في حل المشكلة، يعد تكييف الهواء استنزافاً كبيراً للطاقة، وقد حظرته الأردن في المكاتب الحكومية.
وبطبيعة الحال لا تحظى أسعار الطاقة المرتفعة ومبادرات خفض استهلاك الوقود بشعبية، لكن إلى حين استقرار الإمدادات، يبقى خطر النقص قائماً، ما يترك الحكومات أمام خيارات محدودة، ويعد هذا في النهاية ثمن عدم الاستثمار الكافي في أمن الطاقة والتحول الأخضر منذ البداية.