سومايا كينز

في الحرب التجارية الباردة بين الولايات المتحدة والصين، من الواضح أن دونالد ترامب لم يعد هو الجانب المنتصر، كما يبدو أن زمن التهديد بالرسوم الجمركية على طريقة ترامب قد انتهى، لأنه بعد سنوات من بناء آلة تصنيع جبارة، يمتلك الصينيون الآن أسلحة اقتصادية قوية خاصة بهم.

وإذا وجّهت ضربة قوية لهم، فسوف يشلون صناعتك بقطع إمدادات المكونات الحيوية التي تعتمد عليها.

وهذا التهديد يتردد صداه في جميع أنحاء العالم وليس في أمريكا وحدها. واليابانيون والأوروبيون يعانون بدورهم من آثار الحرب التي ألحقتها بهم الصين.

وإذا باتت أمريكا خائفة من تهديدات الصين، فما الذي يُرجى من اللاعبين الآخرين؟ ورغم أن الوضع يبدو هادئاً ومستقراً في الوقت الراهن، فإنه يبقى هناك خطر كامن حيث يعمل خبراء التجارة بجد بعيداً عن المواجهة الواضحة.

ويتمحور العمل حول ضوابط وقيود التصدير. وهي في جوهرها بسيطة: قيود حكومية على ما يُمكن بيعه للمشترين الأجانب.

يُمكن استخدامها كسلاح دفاعي، على سبيل المثال، للحفاظ على الغذاء أو الأدوية في الداخل عند حدوث نقص. أو يُمكن استخدامها لمنع جيش الخصم من الاستفادة من تقنياتك المتطورة، (فلا أحد يرغب في أن يضرب بأسلحة أسهم في تصميمها؟) وقد تأتي هذه الضوابط في صورة أنظمة ترخيص، أو ضرائب، أو حظر، أو حصار. ويمكن تطبيقها على أي تدفقات تجارية يُمكن تخيله.

وبحسب بيانات جمعتها مجموعة «غلوبال تريد أليرت» المعنية برصد التجارة، فقد شهد العقد الحالي ارتفاعاً حاداً في استخدام هذه الضوابط والقيود، ويعود ذلك جزئياً إلى سلسلة من حالات الطوارئ.

وأبرزها جائحة كوفيد19 التي أدت إلى سباق عالمي محموم لتأمين كميات كافية من الكمامات والأجهزة الطبية لحماية المواطنين، وأثارت موجة من القيود التجارية، حتى داخل الاتحاد الأوروبي.

والآن، تقيد إيران صادرات الطاقة إلى بقية العالم بإغلاق مضيق هرمز، ما دفع دولاً عديدة إلى تقييد تدفقات الوقود والأسمدة إلى الخارج لضمان عدم نقصها بين مواطنيها.

ووفقاً لفريق من الأكاديميين، من بينهم جيسي شريغر من جامعة كولومبيا، فإنه بحلول عام 2025، تجاوزت نسبة الشركات العالمية التي كشفت عن تأثرها بضوابط التصدير ثلاثة أضعاف المتوسط خلال العقد الماضي.

وكانت القيود الأمريكية على الصادرات الصينية هي العامل الأكبر في ذلك. ولا عجب في ذلك، بالنظر إلى التوسع الهائل في القيود الأمريكية المفروضة على وصول الصين إلى البرمجيات والأجهزة اللازمة لتصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة.

ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك خبرة أكبر في تسخير قوتها الاقتصادية، إلا أن الصين تتقدم بخطى حثيثة على المسار نفسه، إذ وضعت قوانين تلزم الشركات الأجنبية بالحصول على ترخيص لشراء منتجات تحتوي على ولو أثر ضئيل من العناصر الأرضية النادرة الصينية.

وفي يناير، فرضت الصين قيوداً على اليابان فيما يتعلق ببيع المنتجات «ذات الاستخدام المزدوج»، التي لها تطبيقات مدنية وعسكرية، لتقليص أي دعم للنضال السياسي من أجل الحكم الذاتي في تايوان.

وفي 31 مارس، أصدر مجلس الدولة الصيني أمرًا بعنوان «أحكام أمن الصناعة وسلاسل التوريد»، مهدداً بفرض ضوابط تصدير على أي حكومة أو منظمة أجنبية تُلحق الضرر بأمن الصناعة أو سلاسل التوريد الصينية.

وعموماً، لا بد على الدول من توخي الحذر، فالقيود المفروضة على الصادرات قاسية ومقدمة لعواقب غير مقصودة. فعلى سبيل المثال، فإغلاق إيران لمضيق هرمز، أجبر باكستان على إغلاق المدارس وغير خطط المصطافين الأوروبيين.

وفي حالة متطرفة، قد تقطع الولايات المتحدة وصول الأوروبيين إلى وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني وشركات الدفع الإلكتروني التابعة لها.

كما أن قراراً إدارياً من مسؤول صيني قد يؤدي إلى شلل بصناعة السيارات الأجنبية. وهكذا، يبدو الأمر مُخيفاً. لكن مع ازدياد شيوع ضوابط التصدير، يُمكن التحذير من أن هذه الأسلحة لن تُجدي نفعاً بدرجة كبيرة.

فعلى المدى القصير، تُلحق الضرر بالطرف المُستهدف، لكن على المدى البعيد، تأتي بنتائج عكسية، لأن المورِّد المُهيمن بحاجة إلى مُشتريه في النهاية.

وعند فرض ضوابط تصدير من جانب المورد، يُضطر المُشترون إلى تنويع مصادر توريدهم والابتعاد عن المورِّد غير الموثوق.

ولذلك تتردد عبارة «لا أحد يربح حربًا تجارية». وبالنسبة للشركات، تعني قيود التصدير خسائر في المبيعات وتراجعًا في هوامش الربح.

ومن الأمثلة على ذلك جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، الشركة الأمريكية الرائدة في تصميم الرقائق الإلكترونية، والتي وجدت شركته نفسها في مرمى نيران السباق الأمريكي الصيني لتطوير الذكاء الاصطناعي، حيث قيّد كلا الجانبين مبيعات إنفيديا في الصين.

وقد تقبّل هوانغ هذه القيود المفروضة على قدرته على خدمة السوق الصينية الضخمة على مضض شديد. وقد جاءت الضربة الأخيرة خلال القمة الأخيرة لترامب في الصين عندما أُضيفت شريحة ألعاب من إنتاج شركة إنفيديا إلى قائمة السلع المحظورة في نقاط التفتيش الجمركية الصينية.

وحذر هوانغ كيرا من أن القيود الأمريكية على الصادرات قد عززت، دون قصد، قوة المنافسين، إذ أجبرت الصينيين على تطوير بدائل محلية الصنع للمنتجات الأمريكية. وفي مقابلة حديثة، تحدث عن «جيش الباحثين الصيني الهائل».

وأشار إلى أن شركة هواوي، المصنعة للرقائق الإلكترونية، «حققت للتو أكبر مبيعات سنوية في تاريخها». كما حفزت القيود المفروضة على أجهزة تصنيع الرقائق المتقدمة الصينيين أيضاً.

ففي ديسمبر 2025، أفادت رويترز أن «مشروع مانهاتن» الصيني قد نجح في بناء نموذج أولي لآلة الطباعة الحجرية فوق البنفسجية المتطرفة (EUV)، المصممة لإنتاج رقائق متطورة للغاية.

الأمر نفسه يتكرر بسبب إغلاق مضيق هرمز في مارس، فعلى الرغم من أن النقص الناتج كان حقيقياً ومؤلماً، إلا أن حلولا خرجت للتكيف مع الوضع. وبحلول أبريل، تم تعويض ما يقارب ثلث الانخفاض في صادرات النفط الخام عبر المضيق من خلال زيادة التدفقات عبر موانئ أخرى، وفقاً لبيانات حللتها فيكتوريا غرابينفوغر من شركة كيبلر لتحليل السلع. وتُنقل سلع أخرى بالشاحنات من الخليج، بما في ذلك الأسمدة من الإمارات.

بدا خط أنابيب النفط السعودي، الذي بُني في ثمانينيات القرن الماضي لتجنب صراع آخر، غير عملي ومكلفاً في زمن السلم. أما الآن، وبعد أن بدأ بضخ النفط من ساحل الخليج عبر وسط البلاد وصولاً إلى ميناء على البحر الأحمر، بات يوصف وكأنه خطوة عبقرية. وتدرس حكومات خليجية أخرى إنشاء بنية تحتية جديدة لتجاوز المضيق، أو تسريع مشاريع توسيع خطوط الأنابيب القائمة.

كما تجعل أسعار النفط والغاز المرتفعة الطاقة المتجددة خياراً أكثر جاذبية. إن التاريخ يزخر بأمثلة على استخدام القوة الاقتصادية كسلاح، فبعد أن قيّدت دول أوبك إمدادات النفط في سبعينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، ارتفعت كفاءة استهلاك الوقود في السيارات بشكل كبير.

وكان النفط يُستخدم بكثافة في توليد الطاقة، لكنه بدأ تكثيف البحث عن مصادر أخرى. كما ترسخ توجه بين مستوردي النفط لتكوين مخزونات احتياطية للحماية من الصدمات المستقبلية، أو على الأقل لكسب الوقت عند وقوعها.

وقبل ذلك، فإنه عندما قيّدت ألمانيا صادرات المواد الكيميائية خلال الحرب العالمية الأولى، تسارعت جهود بريطانيا لبناء صناعتها الكيميائية المحلية.

وقبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا قد طورت صناعة واسعة ومتنوعة للمواد الكيميائية، والتي أمكن توجيهها لاحقاً نحو تصنيع المتفجرات. ويلقي باحثون في وزارة الزراعة الأمريكية باللوم جزئياً على السياسة الأمريكية في روز منافس قوي في تصدير فول الصويا تمثل في البرازيل.

فبعد أن فرض الرئيس ريتشارد نيكسون قيوداً على صادرات فول الصويا الأمريكي في يونيو 1973، شعر اليابانيون بالرعب لدرجة أنهم قدموا الكثير من القروض ودعمًا فنيًا وبنية تحتية للمزارعين البرازيليين.

وهناك أيضاً دراسة تفصيلية لآثار «قاعدة الصين العسكرية الشاملة» التي فرضتها الحكومة الأمريكية في يونيو 2007، والتي قيّدت الصادرات التي من شأنها تحسين القدرات العسكرية الصينية، مثل المحركات النفاثة، وأجهزة معالجة البيانات، ومعدات الاتصالات.

فقد حفّزت هذه الضوابط أنشطة الابتكار في الصين. وزاد المستوردون الصينيون المتضررون الإنفاق بنسبة 50% على البحث والتطوير، وشهدوا زيادة بنسبة 1% في فرصهم للحصول على براءة اختراع تتعلق بالتكنولوجيا الخاضعة للرقابة. وقد لا يبدو هذا الرقم كبيرًا، لكن في المتوسط، ارتفع إجمالي براءات الاختراع بنحو 40%.

كما أن هذه الزيادة في الابتكار كانت واسعة النطاق، وتجاوزت المجالات التي استهدفتها القيود. وهكذا، فقد أتت السياسة الأمريكية المصممة للقضاء على المنافسة من جانب الصين بنتائج عكسية.

لكن ماذا لو كانت قيود التصدير تأتي لإبراز القوة الكبيرة الحقيقية للطرف التي يفرضها؟ وماذا لو كانت العوامل نفسها التي أبرزت نقاط الاختناق في المقام الأول هي التي تجعل الإفلات منه صعبًا؟ وماذا لو كان المعتدي قد تصرف استراتيجيًا لترسيخ موقعه، وسيفعل كل ما هو ممكن للتشبث به؟

وبالنظر إلى الوضع الراهن، فإن بناء بنية تحتية جديدة لتجاوز فوضى مضيق هرمز سيستغرق سنوات وقد يكلف تريليونات الدولارات.

وكلما ارتفعت أسعار الفائدة لكبح التضخم الناجم عن نقص الطاقة، زادت تكلفة جمع الأموال.

عموماً، فإن نقاط الاختناق لا تبرز صدفة. ربما يمتلك اللاعب المهيمن سنوات من الخبرة، أو تكنولوجيا متطورة، أو شبكة عملاء أوسع.

وربما يتمتع بمزايا اقتصادية هائلة، أو يعمل في قطاعٍ يميل فيه الفائز بطبيعة الأمور إلى السيطرة على السوق بأكمله. أيًا كان العامل الذي منح لاعبًا ما موقعه المهيمن، فلا يمكن تجاهله.

قد نأمل أن تكون الهيمنة السوقية، بمجرد اكتسابها، عابرة. لكن التجربة تشير إلى أنها قد تستغرق وقتاً طويلاً لتتلاشى. وفي غضون ذلك، يمكن للحروب التجارية أن تواصل اشتعالها.