آلان بيتي
يبدو أن التوترات التجارية بين الاقتصادات الثلاثة الكبرى تتبع القانون الأول للديناميكا الحرارية، حيث يعني انخفاض التوتر في مكان ما ارتفاعه في مكان آخر، وقد حوّل التقارب بين شي جين بينغ ودونالد ترامب الضغط السياسي نحو العلاقة بين بروكسل وبكين.
حيث تُثير «الصدمة الصينية الثانية» التي تستهدف تحقيق المزيد من الهيمنة التجارية والتكنولوجية قلق السياسيين الأوروبيين الذين يخشون على الشركات الوطنية الرائدة وفرص العمل في بلادهم.
ويُبدي السياسيون غضبهم، فيما يبحث التكنوقراط عن طرق جديدة للتنظيم. وتقترح المفوضية الأوروبية أدوات جديدة لمكافحة المنافسة الصينية غير العادلة.
وفي هذا الإطار خرج قانون تسريع الصناعة، الذي يتضمن، من بين أمور أخرى، خططاً لأدوات مركزية لتنظيم الاستثمار الأجنبي المباشر، واقتراحاً لإجبار مصنعي المواد الكيميائية والآلات الصناعية الأوروبيين على تنويع مصادرهم بعيداً عن الصين. وستعقد المفوضية اجتماعاً مهاماً حول الصين في نهاية مايو الجاري.
ويبدو هذا الأمر مألوفاً، فلطالما شعر الاتحاد الأوروبي بقلق بالغ إزاء الصين في سياق التجارة والاستثمار والمشتريات العامة، وقد عزز ترسانته السياسية باستمرار بسلسلة من الأدوات المتنوعة.
وبغض النظر عن جدوى التدخل في السياسات التجارية والصناعية، فإن المسألة لا تكمن في قوة هذه الأدوات، بل في مدى تصميم من يستخدمها. ويتمثل القيد الرئيسي على القوة الممكنة للاتحاد الأوروبي في حذر الدول الأعضاء، مما يُضعف نزعة المفوضية، الذراع التنفيذية للاتحاد، عند المواجهة، مع العلم بأن فرنسا تعد الدولة الوحيدة التي تُؤيد المفوضية بشكل روتيني.
وإلى حين معالجة هذا الأمر، سيظل الاتحاد الأوروبي ببساطة يراكم مخزوناً كبيراً من الأدوات غير المُستخدمة أو غير الفعالة في ترسانته التجارية القديمة. وعلى سبيل المثال، قبل أكثر من ست سنوات، وضعت المفوضية آلية لاستخدام رسوم مكافحة الإغراق والدعم ضد الشركات الصينية المُصدِّرة إلى الاتحاد الأوروبي من دول ثالثة؛ إلا أنها لم تُستخدم إلا في عدد قليل من الحالات.
كذلك، فإنه في عام 2023، وبعد سنوات من التخطيط، أطلقت المفوضية الأوروبية أداة مكافحة الإكراه، والتي منحت الاتحاد الأوروبي هامشاً واسعاً للرد على الحكومات التي تحاول الضغط عليه، لكن الدول الأعضاء أصرت على الاحتفاظ بقدر كبير من السيطرة على تطبيق الأداة، لذلك لا تزال هذه الأداة غير مستخدمة.
وفي عام 2024، وبعد بدء تحقيق بمبادرة منها، فرضت المفوضية سلسلة من الرسوم الجمركية لمكافحة الدعم، بهدف الحد من واردات السيارات الكهربائية الصينية، ومنح الشركات الأوروبية فرصة للتعافي.
لكن عملية وضع هذه الرسوم اتسمت بالبطء الشديد، لا سيما مع قلق ألمانيا من رد بكين على مبيعات السيارات الألمانية في الصين، ولم تُحدث هذه الرسوم فرقاً يُذكر في مواجهة هيمنة الصين المتزايدة على السوق الأوروبية والعالمية.
ومن بين الأدوات الحديثة الأكثر فعالية، لائحة الدعم الأجنبي، التي أُطلقت عام 2023، بهدف تحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص في مواجهة الشركات الصينية المدعومة من الدولة، والتي تتنافس على العقود أو تُنتج وتبيع في الاتحاد الأوروبي.
وتمنح اللائحة المفوضية صلاحيات واسعة في التحقيق واتخاذ القرارات، وتحديداً لإدارتي السوق الداخلية والمنافسة، اللتين اعتادتا على التمتع بصلاحيات مستقلة.
وتمكنت هيئة الرقابة المالية من إجبار بعض الشركات الصينية على الانسحاب من مناقصات المشتريات العامة، لكن عندما يحاول الاتحاد الأوروبي استخدام صلاحياته في السوق الداخلية للتحقيق مع شركات صينية يعتقد أنها مدعومة وتعمل في السوق الموحدة، يبرز بقوة مدى استعداد بكين للمقاومة. وخلال الأسبوع الماضي.
وفي تحقيق يعود تاريخه إلى عام 2024 بشأن شركة «نوكتيك» الصينية لفحص الشحنات، استندت بكين إلى قوانين أمن سلاسل التوريد الجديدة لمنع الشركات الصينية من الامتثال لطلبات الحصول على المعلومات، معتبرةً أن نطاق اختصاص بروكسل خارج حدودها غير شرعي.
وكيفية رد الاتحاد الأوروبي على هذا النوع من العدوان مهمة للغاية لكن حتى الآن، لم يُحقق الاتحاد الأوروبي النتائج المرجوة. ولطالما برعت بكين في حشد الدول الأعضاء لتقويض قدرة المفوضية على المواجهة من خلال مزيج من الترغيب والترهيب.
ويُعدّ الاستثمار الصيني في السيارات الكهربائية، ولا سيما شركة «بي واي دي» التي يجري تحقيق بشأن مصنعها في المجر، الهدفَ الرئيسي لهيئة تنظيم صناعة السيارات الأوروبية، لكن مصانع السيارات الكهربائية الصينية تنتشر في جميع أنحاء أوروبا.
وإسبانيا، التي يُبدي رئيس وزرائها بيدرو سانشيز تعاطفاً مع الصين، لديها بالفعل مصنع تديره شركة شيري، وقد تكون التالية في قائمة مصانع «بي واي دي». ومن المفترض أن تكون هيئة تنظيم صناعة السيارات الأوروبية مستقلة، لكنها ستواجه صعوبة في العمل إذا منعت بكين الشركات الصينية من التعاون، وإذا لم تتمكن حكومات الاتحاد الأوروبي، أو لم ترغب، في إقناع الحكومة الصينية بالتراجع.
وتسير عملية وضع لوائح الاتحاد الأوروبي الجديدة ببطء واضح، مما يُعرّضها لضغوط مستمرة من بكين. وإحدى المعارك الكبرى القادمة تتعلق باتفاقية الاستثمار الدولية واقتراحها بمركزية السلطة على تنظيم الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي كان تقليديًا من اختصاص الدول الأعضاء.
ولكي يتحقق ذلك، يجب إقناع ألمانيا تحديداً بالخروج عن التقاليد، مع الأخذ في الاعتبار أن معاناة صناعة السيارات لديها تستحق المخاطرة.
وتبذل المفوضية قصارى جهدها لاتباع استراتيجية تدخلية تجاه الصين فيما يتعلق بالتجارة والمشتريات العامة والاستثمار. وتتقن رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، الخطاب الجيوسياسي، ويعمل فريقها بجدٍّ واجتهاد. ولكن ما لم تقتنع حكومات الاتحاد الأوروبي جماعياً بأن هذا هو النهج الصحيح، وتكون مستعدة لتحمّل أي رد فعل من بكين، فستظل هذه الأدوات تتراكم دون استخدام.