تيم هارفورد

كثر الحديث عن «التضخم الجشع» في السنوات التي أعقبت الجائحة، عندما كانت الأسعار ترتفع بمعدل 8 أو 9 أضعاف سنوياً. بينما نسمع عنه بدرجة أقل بكثير الآن، حيث أصبحت معدلات التضخم شبه طبيعية. وقد تكون اللامبالاة تجاه التضخم الجشع مفهومة، لكنها في الوقت نفسه خطأ كبير.

ومن المغري دائماً إلقاء اللوم على جشع الشركات في ارتفاع الأسعار. والتضخم مؤلم، وغامض إلى حد ما، ومن الجيد أن يكون لدينا من نلومه. وتسعى الشركات جاهدةً لتحقيق أقصى قدر من الأرباح، وهو أقرب ما يكون إلى الجشع من جانب مؤسسةٍ لا تشعر بالعاطفة، ومن الصعب إنكار أن كبار تجار التجزئة والشركات التي تُورّد لهم هي التي تُحدد السعر.

لكن هذا التفسير للتضخم غير كافٍ، فأي نظرية لجشع الشركات، مهما بدت بديهية أو مُرضية، لا بد أن تُفسر سبب تذبذب فرص الربح. ومن المعلوم أن الشركات تسعى لاقتناص فرص الربح على مدار الساعة، لكن هل يُعقل أن نصدق أن التضخم ارتفع في عام 2023، لأن الرؤساء التنفيذيين خطرت لهم فجأة فكرة غير مسبوقة برفع الأسعار؟ هذا احتمال مستبعد.

في المقابل، أحد الاحتمالات هو أن الشركات تستخدم التضخم العام كغطاء، فترفع الأسعار أكثر من اللازم، عندما يتوقع المستهلكون مشاكل بالفعل، أو يكونون في حيرة من أمرهم بشأن الأسعار المناسبة. وقد طرح بول سكانلون من كلية ترينيتي في دبلن هذا في مقالة له بعنوان «نموذج جشع التضخم». ولطالما كان أحد تداعيات التضخم هو أنه يربك الجميع، وهو ما يُصعب معه تحديد ما إذا كان التغيير في السعر أو الأجر ناتجاً عن تحوّل في الأسعار النسبية، أم أنه جزء من موجة تضخمية عامة. وليس من المستبعد في هذه الحالة أن تستغل الشركات هذه الفوضى.

ثمة احتمال آخر، تناوله إيزابيلا ويبر وإيفان واسنر من جامعة ماساتشوستس أمهيرست، وهو أن صدمات العرض في قطاع ما من قطاعات الاقتصاد، قد تُشجّع الشركات المنافسة على رفع الأسعار بشكل متزامن، دون إمكانية الذهاب إلى السجن نتيجة التواطؤ الصريح. ولنأخذ مثالاً افتراضياً، إذا أُغلق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، سيرتفع سعر النفط. وبما أن سعر النفط مرتبط بالعديد من الأسعار الأخرى، فقد يُعطي ذلك الشركات الإشارة التي تحتاجها لرفع، ليس فقط أسعارها، بل السعي لزيادة هوامش أرباحها أيضاً.

لكن يبدو الاحتمال المعاكس وارداً بنفس القدر، حيث دائماً ما يكون المستهلكون يقظين تماماً عند ارتفاع الأسعار بشكل حاد، لكنهم يميلون إلى التراخي وعدم الانتباه عند انخفاضها. يعني ذلك أنه عندما ترتفع تكاليف المدخلات، تبذل الشركات قصارى جهدها لتقليل الأثر في الأسعار، بينما عندما تنخفض تكاليف المدخلات، تتراخى الشركات عن تقديم وفورات إلى المستهلكين، مستغلةً عدم وجود يقظة أو انتباه كافيين. وهكذا، فإنه عندما يكون التضخم منخفضاً، وتنخفض معه الأسعار، لا يكترث الكثيرون بممارسات الجشع غير الظاهرة. وهذا هو لبّ الموضوع.

وتؤكد الأدلة هذا الأمر، فقد نشر يوهانس برينكمان ونيخيل داتا من جامعة وارويك مؤخراً، تحليلاً لتأثير صدمة أسعار النفط في عام 2022، عقب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، على أسعار البترول والديزل. ووجدا أنه في المملكة المتحدة، كان هناك انخفاض في هوامش ربح تجار التجزئة: فقد ارتفع سعر الديزل بالجملة بمقدار 39 بنساً للتر، بينما لم ترتفع سعر التجزئة للديزل إلا بمقدار 16 بنساً. وهذا يُخالف ما هو شائع عن فرضية التضخم الجشع.

ويُمكن تفسير هذا الانخفاض بأن تجار التجزئة يشعرون بالحجة لمزيد من التدقيق عند وضع الأسعار في مثل هذه الظروف. وقد أظهر برينكمان وداتا أن عمليات البحث على موقع «بتروليوم برايسيز. كوم» الإلكتروني، تزداد بشكل كبير مع ارتفاع الأسعار، وأن المناطق التي كثرت فيها عمليات البحث، كان انخفاض الأسعار فيها أكثر حدة.

كذلك، فقبل 15 عاماً، لاحظت دراسة أخرى أن المستهلكين يبذلون جهداً أكبر في البحث عندما ترتفع الأسعار، رغم قلة الفائدة المرجوة من هذا البحث، نظراً لأنه في الغالب تتقارب حينها أسعار معظم المتاجر. وعندما تنخفض أسعار الوقود، يزداد التباين بين المحطات. ويمكن تصور هذا الأمر ببساطة: إذا مررت بمحطة الوقود ووجدت الأسعار مرتفعة، فواصل القيادة على أمل إيجاد سعر أفضل، أما إذا انخفضت، فلا داعي للقلق واملأ خزان الوقود.

وتتسم أسواق النفط الخام والوقود بالشفافية وسهولة الدراسة. لكن ماذا عن المشهد العام لأسعار السلع الأخرى؟ في عام 2000، نشر سام بيلتزمان، الباحث من جامعة شيكاغو، دراسة بعنوان دال: «الأسعار ترتفع أسرع من انخفاضها». ودرس بيلتزمان مئات المنتجات، لكن اقتصر على تلك التي لها مدخلات محددة وهامة. ووجد بيلتزمان أن الأسعار «في أكثر من ثلثي الأسواق التي جرت دراستها» استجابت لارتفاع التكاليف بشكل أسرع من استجابتها لانخفاضها، وهو ما يُعرف بسلوك «الصاروخ والريشة».

في كل الأحوال، يجب ألا نتوقع حلاً سهلاً لمسألة التضخم الناتج عن الجشع. وسواء كنت تعتقد أن الشركات تستغل نفوذها السوقي تحت غطاء التضخم الواسع النطاق، أو كنت تشك في أنها تستغله عندما يكون التضخم منخفضاً، ويتوقف المستهلكون عن الاهتمام، فليس هناك وقت غير مناسب لسلطات سياسات المنافسة للبحث عن سبل لتعزيز المنافسة من خلال تفكيك الشركات المهيمنة أو تحسين شفافية الأسعار.

ومع ارتفاع أسعار الجملة بشكل حاد في الولايات المتحدة (إلى 6% في أبريل)، يمكن أن يعود النقاش عن «التضخم الجشع» إلى الواجهة، لكن عندما لا يتحدث أحد عن «التضخم الجشع»، فيجب على المستهلكين أن يكونوا أكثر حذراً.