كلير جونز - سام فليمنج

اتسمت ولاية جاي باول كونه رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي التي امتدت ثماني سنوات على رأس البنك المركزي الأمريكي بكثير من التحديات والصراع الذي تواصل حتى الساعات الأخيرة.

فقد اعترض ستيفن ميران وميشيل بومان، عضوا مجلس الاحتياطي الفيدرالي اللذان رشحهما الرئيس دونالد ترامب، منذ أيام، على بقاء باول في منصبه، ووصفا هذه الخطوة بأنها «غير مسبوقة تاريخياً»، رغم أنها حدثت عدة مرات أخرى دون معارضة.

ويأتي ذلك بمنزلة تذكير صارخ بأن وارش سيرث مجلس احتياطي فيدرالياً يخوض معركة لم يشهدها تاريخه الممتد لـ112 عاماً من قبل. لكنه يسلط الضوء في الوقت نفسه على الكيفية التي أصبح بها باول، الذي كان هدفاً لتحقيق جنائي من قبل وزارة العدل، رمزاً للمقاومة ضد هجمات الرئيس على المؤسسات الأمريكية.

وقالت جيتا جوبيناث، المسؤولة السابقة في صندوق النقد الدولي والأستاذة الحالية في جامعة هارفارد: «ينبغي لنا عدم الاستهانة بالشجاعة اللازمة لمواجهة رئيس الولايات المتحدة، لذلك، فإن ثبات باول على موقفه دفاعاً عن المؤسسة يُعدّ مكسباً، ليس فقط للاحتياطي الفيدرالي وجميع رؤساء مجالس إدارته المستقبليين، بل لمجتمع البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم».

ورغم أن فترة ولاية باول شهدت تحديات بارزة منها ارتفاع التضخم وانهيار بنك وادي السيليكون، وفضائح التداول التي دفعت العديد من كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي إلى الاستقالة، إلا أن إدارته الحكيمة للبنك المركزي خلال الجائحة، واستعداده لمواجهة تهديدات ترامب لاستقلالية المؤسسة، ربما يكونان قد ضمنا له مكانةً بين أبرز رؤساء الاحتياطي الفيدرالي.

وقال بول تاكر، نائب محافظ بنك إنجلترا السابق: «لباول نجاحات وإخفاقات، لكنه تميز بتفكيره العميق في شرعية الاحتياطي الفيدرالي الديمقراطية أكثر من أي رئيس للمجلس منذ بول فولكر»، وذلك في إشارة إلى رئيس الاحتياطي الفيدرالي الذي نجح في مكافحة التضخم الكبير في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وفي الاحتياطي الفيدرالي، يُلقي التاريخ بظلاله على كل فرد. ففي كل يوم، كان يقضيه باول في مكتبه بالطابق العلوي من مبنى مارتن في واشنطن، كان عليه أن يمر أمام صور جميع رؤساء الاحتياطي الفيدرالي السابقين، ومن بينهم فولكر ونقيضه آرثر بيرنز.

عندما رشّح ترامب باول عام 2017، تساءل البعض عما إذا كان ابن واشنطن، الذي درس القانون وتنقل بين الاستثمار الخاص والخدمة العامة قبل أن يصبح محافظاً للاحتياطي الفيدرالي عام 2012، هو الرجل المناسب لخلافة شخصيات أكاديمية بارزة مثل جانيت يلين وبن برنانكي.

وتولى باول رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي عام 2018، في وقت كان فيه الاقتصاد ينمو بوتيرة جيدة، وكانت البطالة في أدنى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين، وكانت أسواق الأسهم والعقارات تشهد انتعاشاً، لكن سرعان ما توترت علاقاته مع البيت الأبيض، إذ دفعت سلسلة من رفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي ترامب إلى التساؤل خلال ولايته الأولى كرئيس عما إذا كان باول أم الرئيس الصيني شي جين بينغ «العدو الأكبر» لأمريكا.

ورد باول بتكثيف ظهوره في مبنى الكابيتول. فقد أمضى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي وقتاً طويلاً مع مشرعين مثل توم تيليس. وقد أثبتت العلاقة مع تيليس أهميتها البالغة في حماية مجلس الاحتياطي الفيدرالي من الهجمات المتكررة التي شنتها إدارة ترامب.

وقال روبرت تيتلو، الذي كان حتى وقت قريب كبير الاقتصاديين في الاحتياطي الفيدرالي: «حظي باول بثقة واحترام عدد كبير من الشخصيات في الكونغرس من كلا الجانبين. وقد ساعده ذلك في عمله، وأعتقد أنه أسهم في حمايته إلى حد ما من ضغوط البيت الأبيض».

وخلال فترة عمل باول في وزارة الخزانة في أوائل التسعينيات، شاهد آلان غرينسبان وهو يبني العلاقات داخل الحكومة. وقد اقتنع باول بضرورة الاقتداء برئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق وقضاء وقت أطول في الكونغرس مقارنةً بسلفَيه يلين وبرنانكي.

وتحرك البنك المركزي الأمريكي بقوة في عام 2022 بعد أن أقرّ واضعو أسعار الفائدة بأنّ التضخم سيكون أكثر جموداً ممّا كانوا يأملون. وساعدت سلسلة من الزيادات الحادة في أسعار الفائدة على تحقيق هبوط سلس، حيث انخفض التضخم بشكل كبير عن ذروته، في حين استمرّ الاقتصاد الأمريكي في النمو بقوة وظلت البطالة منخفضة، لكن في العام التالي، أسهم مزيج من زيادات أسعار الفائدة والرقابة المتساهلة في انهيار بنك وادي السيليكون، وهو أحد أكبر حالات إفلاس البنوك في تاريخ الولايات المتحدة.

ورغم انخفاض التضخم عن ذروته بحلول موعد انتخابات عام 2024، فإن الأسعار المرتفعة استمرت، واستغل ترامب أزمة غلاء المعيشة لضمان عودته إلى البيت الأبيض. في البداية، قلل باول من شأن حملة ترامب المتجددة ضد البنك المركزي، متجاهلاً انتقادات الرئيس اللاذعة له ووصفه بـ«الأحمق» لعدم خفض تكاليف الاقتراض.

كما امتنع رئيس البنك المركزي عن الدفاع علناً عن المحافظة بالبنك، ليزا كوك، بعد أن سعى ترامب العام الماضي إلى إقالتها بسبب مزاعم احتيال عقاري، وهي مزاعم كررت نفيها. وقالت المحكمة العليا إن كوك يمكنها البقاء في منصبها ريثما تبتّ في القضية.

كما اتخذ باول بعض الخطوات نحو إعادة هيكلة الاحتياطي الفيدرالي ليصبح مؤسسة أكثر انسجاماً مع رؤية الإدارة، مما مكّن وزير الخزانة، سكوت بيسنت، من الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في صياغة الأجندة التنظيمية، وخفض عدد الموظفين بنسبة 10 %، إلا أن استعداده لتلبية نزوات ترامب تغيّر بشكل جذري مساء يوم أحد خلال شهر يناير الماضي. ففي خطاب مصوّر مدته دقيقتان، انتقد باول الرئيس لفتحه تحقيقاً جنائياً بشأن شهادته أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ.

وبينما كان التحقيق ظاهرياً يدور حول ما إذا كان بأول قد ضلل اللجنة بشأن تصريحاته المتعلقة بتجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي بكلفة 2.5 مليار دولار، قال باول إن التحقيق كان في الواقع ذريعة للضغط عليه لخفض أسعار الفائدة. وسرعان ما أدان جميع رؤساء الاحتياطي الفيدرالي السابقين الأحياء التحقيق، واصفين إياه بأنه «كيفية صنع السياسة النقدية في الأسواق الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة».

وكانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، ومحافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، من بين مجموعة من صناع السياسات الدوليين الذين كتبوا رسالة دعم.

وقالت لاغارد لصحيفة فاينانشال تايمز: «إن العمل المصرفي المركزي عبارة عن مجموعة متماسكة من الأشخاص الذين يواجهون القضايا نفسها ويتقيدون بالأطر واللغة والقواعد نفسها». وأضافت: «لقد رأينا أنه من الضروري تقديم الدعم له، والاعتراف بقيمة الاستقلالية ومخاطر الإضرار بها»

وقال أندرو بيلي: «سيظل إرث جاي بلا شك هو ضمان الاستقرار في الاقتصاد العالمي خلال أوقات عدم اليقين الشديد، وتفانيه المطلق في خدمة الصالح العام».

ووصلت رسالة باول إلى الكونغرس، حيث أصبح تيليس الوجه الإعلامي لمجموعة من الجمهوريين المستعدين لعرقلة ترشيح ترامب لوارش إلى حين إغلاق التحقيق الجنائي. وقبل أسابيع من انتهاء ولاية باول، ومع تمسك تيليس بموقفه، أسقطت جانين بيرو، المدعية العامة الأمريكية، التحقيق، مصرحةً بأنها لن تعيد فتحه إلا إذا كشف المفتش العام للاحتياطي الفيدرالي عن أدلة جديدة تستدعي ذلك.

وسيستمر باول في منصبه في الاحتياطي الفيدرالي محافظاً وسط مخاوف من استمرار المخاطر التي تهدد استقلالية البنك، لكن تنازله عن منصبه سيمنح ترامب فرصة اختيار حليف آخر لعضوية مجلس الإدارة.

لكن «هل أثمر كل الوقت والجهد الذي بذله باول في الوصول إلى الكونغرس؟ أم أن كل ذلك ذهب سدى بسبب انصياع الكونغرس لترامب؟» هكذا تساءل آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، قائلاً: «سيتعين علينا انتظار المؤرخين ليكتشفوا ذلك».