جون ثورنهيل

تُفند القضية القانونية المثيرة التي تُنظر حالياً في محكمة رونالد ف. ديلومز في أوكلاند زيف الادعاء بأن التنظيم الذاتي للذكاء الاصطناعي كافٍ، فقد اتهم إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن أيه آي، بإعادة التفاوض بشكل كاذب على اتفاقية تأسيس مختبر الذكاء الاصطناعي كمؤسسة خيرية، وإثراء نفسه بطريقة غير مشروعة. 

ورد محامو ألتمان بأن ماسك، أحد أوائل ممولي «أوبن ايه آي» والذي أسس لاحقاً شركة «إكس أيه آي» المنافسة، شاهد غير موثوق به بسبب فقدانه للذاكرة نتيجة تعاطيه لعقارات معينة.

في بعض الأوجه، بدت الشهادة وكأنها سلسلة من الإهانات الشخصية والضغائن المتبادلة في ساحة مدرسة، على الرغم من أن مصير شركات بمليارات الدولارات على المحك. لكن هذه القضية تسلط الكثير من الضوء على كيفية إدارة اثنين من أفضل مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة في العالم من حيث التمويل.

فهل بعد ذلك نريد حقاً مليارديرات كهؤلاء، ممن لا يتورعون عن تحقيق الربح بأي ثمن، أن يتولوا زمام تطوير أقوى تقنيات عصرنا دون أي قيود؟ بالتأكيد وبغض النظر عن مواهبهما الريادية، فإن كلاً من ماسك وألتمان في أمس الحاجة إلى إشراف قوي. فهل مجالس إدارة شركاتهم أو الحكومة الفيدرالية الأمريكية مستعدة وقادرة على توفير مثل هذا الإشراف؟

ربما يكون العديد من عمالقة التكنولوجيا قد خضعوا لسلطة البيت الأبيض في حفل تنصيب الرئيس دونالد ترامب، في إشارة إلى تبعيتهم له. لكن هذه الخطوة كانت أيضاً بمثابة صفقة محسوبة: فقد لعبوا لعبة ترامب فيما يتعلق بتنظيم الذكاء الاصطناعي، وفي ولاية ترامب الثانية، كان شعار الإدارة هو «الابتكار بلا قيود» في ظل سعي الولايات المتحدة الحثيث لتجاوز الصين.

وحالياً، يتم فرض قيود تنظيمية على صالونات تجميل الأظافر أكثر مما تُفرض على شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة.

وجاء إطلاق شركة أنثروبيك لبرنامج «كلود ميثوس»، وهو نموذج رائد قادر على اكتشاف آلاف الثغرات الأمنية الإلكترونية، ليجعل من المستحيل تجاهل المخاطر التي تحيط بالأمن القومي. ويقول دين بول، لم يعد بإمكاننا التظاهر بأن المخاطر الكارثية غير موجودة. كذلك، بات من الواضح أن هذه المخاطر الكارثية تستلزم تدخل الدولة.

ويقول دين بول، الذي يكتب الآن النشرة الإخبارية «هايبر دايمينشنال»، إنه يعارض جميع قوانين تنظيم الذكاء الاصطناعي تقريباً باستثناء تلك المتعلقة بالحماية من المخاطر الكارثية، مثل الهجمات الإلكترونية واسعة النطاق أو الأسلحة البيولوجية. وتقع مسؤولية منع المخاطر الكارثية على الدولة، إذ لا يوجد لدى الجهات الفاعلة في السوق أي حافز للقيام بذلك.

لكن بول قلق بالقدر نفسه مما يمكن أن يحدث إذا استحوذت الدولة على قدر كبير من السلطة على الذكاء الاصطناعي الرائد. فلن يكون احتكار الدولة للذكاء الاصطناعي المتقدم أداة غير مسبوقة لاستبداد الحكومة فحسب، بل قد يعني أيضاً أن البشرية ستفقد العديد من الفوائد المؤكدة للذكاء الاصطناعي.

لذلك، يكمن التحدي الأكبر في كيفية إنشاء مؤسسات مستقلة تحمينا في آنٍ واحد من شركات الذكاء الاصطناعي والدولة. وقد طُرحت إجابة جزئية، على الأقل، في ورقة بحثية مثيرة للاهتمام من تأليف كريستوف وينتر وتشارلي بولوك من معهد القانون والذكاء الاصطناعي. ويتمثل رأيهما في أن المجتمعات بحاجة إلى تطوير ما يسميانه«الخيارات الجذرية».

وينطوي نهج «دع الأسواق تنطلق» المتبع في الولايات المتحدة على المخاطر التي أشار إليها بول، لكن إصرار الاتحاد الأوروبي على مبدأ الحيطة والحذر يعني أنه يحاول تنظيم تكنولوجيا لا تزال قيد التطور قبل الأوان، مما قد يُهدد بخنق هذه الصناعة كليا.

ويتمثل الحل البديل الذي يقترحه المؤلفان في بناء مؤسسات متخصصة ممولة تمويلاً جيداً، وقنوات آمنة لتبادل المعلومات، وحماية المبلغين عن المخالفات، ومعايير أمنية للمختبرات، وسلطات قانونية لرصد المخاطر الناشئة، فمن شأن ذلك أن يمنح السلطات المُطّلعة خيارات للتدخل في النقاط الحرجة. من بين هذه المؤسسات معهد أمن الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة، الذي انبثق عن قمة بليتشلي بارك التي استضافها رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، عام 2023. وقد وفر هذا المعهد، الذي يُحتذى به في جميع أنحاء العالم، اختباراً وتقييماً قيمين لبرنامج ميثوس.

إن النهج الحذر الذي اتبعته شركة أنثروبيك في إطلاق برنامج ميثوس، ومشاركة التكنولوجيا مع أكثر من 40 منظمة شريكة، وإطلاق مشروع غلاسوينغ للمساعدة في تحديد الثغرات الأمنية وسدها، يظهر أهمية التنظيم الذاتي. لكن، كما يشير كريستوف وينتر، لم تكن أنثروبيك ملزمة بأي التزام خارجي بالتصرف على هذا النحو.

ويقول:«ينبغي أن نكون قلقين للغاية بشأن أي تركز للسلطة في عصر الذكاء الاصطناعي». وحتى الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، يُبدي قلقه بشأن«عناصر الفوضى والجهات الخبيثة» التي يُمكنها إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، ويدعو صراحةً إلى تنظيم أكثر صرامة للنماذج الرائدة. ونحن بلا شك بحاجة ماسة إلى إيجاد خيارات لتحقيق ذلك.