نجوزي أوكونجو إيويالا -المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية

تسببت الحرب في منطقة الشرق الأوسط في ضغوط على توافر الطاقة والغذاء والأسمدة، مما يثير التساؤل حول ما إذا كانت استجابة العالم ستكرر الأخطاء المبكرة التي شهدناها جميعاً خلال فترة جائحة كوفيد19، حينها، اتجهت الحكومات حول العالم نحو الانعزالية، وفرضت حظراً على الصادرات وقيوداً لتأمين اللقاحات محلياً، حتى في بعض الحالات التي تجاوزت فيها القدرة الإنتاجية الاحتياجات الفعلية.

ورغم تخفيف هذه الإجراءات لاحقاً، إلا أن الاستجابة الأولية تركت الدول الأفقر في ذيل قائمة الانتظار، مع ما ترتب عليه ذلك من عواقب وخيمة.

وتكرر نمط مماثل مع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتي أدت إلى اضطراب أسواق الأسمدة والغذاء.

وخلال أول شهرين من النزاع، أظهرت بيانات المراقبة من جانب أمانة منظمة التجارة العالمية أن الدول الأعضاء نفذت 53 إجراء تجارياً، ما يقرب من ثلاثة أرباعها إجراءات تقييدية.

وأدى حظر الصادرات والقيود المفروضة على السلع الأساسية - لا سيما الغذاء والأسمدة والوقود - إلى تضييق المعروض العالمي وارتفاع الأسعار؛ في حين أسهمت تدابير أخرى، من بينها حزمة تخفيضات في رسوم الاستيراد، في تخفيف الضغوط بشكل طفيف، وهكذا، فإنه عندما تتخذ الدول إجراءات لحماية أسواقها المحلية، غالباً ما تكون النتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة التقلبات العالمية.

وحتى الآن، يبدو أن الاستجابة لاضطراب مضيق هرمز الحالي أقل تقييداً، وهو تحول ملحوظ. فقد نفّذ أعضاء منظمة التجارة العالمية عدداً كبيراً من التدابير التيسيرية لمعالجة القيود المفروضة على الطاقة والمنتجات ذات الصلة، فضلاً عن الأسمدة والغذاء.

ومن بين ما يقرب من 78 تدبيراً تم اتخاذها حتى الآن، يستهدف ما يزيد قليلاً على 70% منها تسهيل التجارة، وتشمل هذه التدابير جهوداً لتعزيز المعروض العالمي، لا سيما النفط والغاز والمنتجات المكررة، إلى جانب إزالة بعض قيود التصدير وتبسيط الإجراءات الجمركية.

ويشير هذا النهج الأكثر توازناً إلى استيعاب الدروس المستفادة من الصدمات السابقة. وفي كثير من الحالات، ربطت الحكومات التدابير التجارية بسياسات مثل دعم الوقود، وتعديلات الضرائب، والتحويلات الموجهة، لحماية الأسر من الضغوط التضخمية. ويمكن لهذه السياسات أن تخفف من الآثار المحلية دون تقييد العرض العالمي بشكل مفرط.

ومع ذلك، لا تزال نسبة التدابير التقييدية، التي تبلغ حوالي 30 %، كبيرة. ورغم أن هذه التدابير كانت حسنة النية، إلا أنها تُنذر بتفاقم ضغوط الأسعار وتعزيز المخاوف بشأن الندرة. ويُعدّ تحوّل أعضاء منظمة التجارة العالمية نحو تدابير أكثر فعالية أمراً مُشجعاً، لكن لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى حالة من التراخي، فالمزيد من الإجراءات التقييدية يُنذر بتفاقم التضخم وزيادة حالة عدم اليقين.

لقد أظهرت سلاسل التوريد العالمية قدرتها على التكيف في مواجهة الصدمات والاضطرابات المتكررة. فخلال جائحة كوفيد19، والهجمات على السفن بالبحر الأحمر، والاضطرابات السابقة في البحر الأسود، تكيفت سلاسل القيمة من خلال إيجاد طرق وموردين بديلين.

وتشير الاستجابات المبكرة للوضع في مضيق هرمز إلى احتمال ظهور نمط مماثل، حيث تُعيد الشركات توجيه الشحنات وتُنوّع مصادر التوريد للحفاظ على التدفقات.

وينبغي أن تدعم السياسة التجارية هذا التكيف، لا أن تُعيقه، لكن ثمة تحدياً هيكلياً أعمق، ألا وهو تركيز التدفقات التجارية الحيوية عبر مجموعة محدودة من الدول والممرات البحرية، وما كان يُحقق الكفاءة في السابق، قد يتحول تحت الضغط إلى مصدر ضعف، فالاعتماد المفرط على مجموعة محدودة من الموردين أو الطرق يجعل الأسواق العالمية عرضة للخطر ويقلل من مرونتها في أوقات الأزمات.

ولا تقتصر المخاطر على مضيق هرمز فحسب، بل تمتد لتشمل نقاط اختناق استراتيجية أخرى، مثل قناة السويس، وقناة بنما، ومضيق ملقا، ومضيق جبل طارق، على سبيل المثال لا الحصر، مما يُبرز مدى تعرض سلاسل التوريد العالمية للاضطرابات.

وفي مثل هذا النظام المترابط، يمكن أن تنتقل خيارات السياسة في منطقة ما بسرعة عبر الأسواق، مما يُضخم التقلبات إلى ما هو أبعد من نقطة المنشأ. ويتطلب التصدي لهذه المخاطر اتباع مناهج استشرافية أكثر شمولاً لتنويع التجارة العالمية وتعزيز مرونتها.

كل ذلك يجعل التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص أمراً بالغ الأهمية.

وقد أظهرت الجائحة أن التعاون بين مُنتجي اللقاحات وشركات الخدمات اللوجستية ومؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية أسهم بالفعل في تحسين الشفافية، والتخفيف من الاختناقات.

ودعم الإزالة التدريجية للقيود، ورغم أن هذه الجهود لم تسفر عن إزالة الضغوط تماماً، إلا أنها ساعدت في استقرار الأسواق وتوسيع نطاق الوصول إليها بمرور الوقت.

وستتطلب أي صدمات مستقبلية عادات التنسيق نفسها، بما في ذلك تبادل المعلومات في الوقت المناسب، وضبط النفس في استخدام القيود التجارية، وتعزيز التعاون مع الشركات التي تُسيّر وتُموّل وتُؤمّن التجارة العالمية. إنه في نظام تجاري مترابط، لا يمكن ضمان المرونة من خلال التدابير الوطنية وحدها. والبديل عن التكيف المنسق هو دوامة من القيود تُلحق الضرر بجميع الدول.