جيل آر شاه
يواجه أحد قطاعات صناعة العملات الرقمية، والذي كان يُنظر إليه في السابق على أنه مستقبل التمويل، نزوحاً للمستثمرين بعد حادثتي اختراق بارزتين أثارتا الكثير من المخاوف بشأن سلامة المشاريع «اللامركزية».
وبحسب شركة البيانات «ديفيلاما»، فقد تم سحب ما يقرب من 14 مليار دولار من ما يُسمى بقطاع التمويل اللامركزي، بعد أن سرق قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية 290 مليون دولار من شركة «آفاي»، أكبر مُقرض في القطاع، مما استدعى خطة إنقاذ للقطاع.
وجاء ذلك بعد أسابيع فقط من سرقة قراصنة 280 مليون دولار من منصة «دريفت» للتمويل اللامركزي الشهر الماضي. تُمثل هذه الحوادث ضربة قوية للتمويل اللامركزي (DeFi)، حيث تُستخدم العقود الآلية لاستبدال الوسطاء التقليديين، كالبنوك والوسطاء، وحيث يُعتبر أمن سلاسل الكتل الأساسية أمراً بالغ الأهمية.
ويأتي ذلك في وقتٍ تستكشف فيه المؤسسات المالية التقليدية تبني تقنية سلاسل الكتل. ويقول لوكاس تشيان، الباحث في مجموعة غالاكسي للعملات الرقمية: «التبعات وخيمة»، مضيفاً أن عمليات الاختراق «تقوض الحجج القائلة بأن العملات الرقمية تُقدم بديلاً أكثر أماناً وشفافية للأنظمة المالية التقليدية».
وكان التمويل اللامركزي قد شهد نمواً هائلاً عام 2020 خلال ما أطلق عليه العاملون في القطاع «صيف التمويل اللامركزي» - وهي فترة من التطور السريع شهدت نمو حجم السوق المُقدّر من أقل من مليار دولار إلى حوالي 180 مليار دولار بحلول عام 2021.
وقد توسع هذا القطاع، الذي يهدف إلى جعل الخدمات المالية في متناول الجميع، ليُصبح شبكة مترابطة من التطبيقات المالية، إلا أن هذه الروابط انكشفت كنقطة ضعف بعد أن استهدف المخترقون حلقة ضعيفة، ما كاد أن يؤدي إلى انهيار منصة «آفاي».
ومنذ ذلك الحين، انكمش السوق إلى حوالي 86 مليار دولار، وهو ما يُقارب أدنى مستوى له في عام واحد. وفي 18 أبريل، سرق قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية ما قيمته 290 مليون دولار تقريباً من عملة رقمية مرتبطة بعملة إيثيريوم من منصة «كيلب داو»، وهي منصة تتيح للمستخدمين كسب مكافآت أعلى من خلال إقراض عملاتهم الرقمية دون تجميدها.
استخدم اللصوص هذه العملة كضمان للاقتراض من منصة «آفاي» حيث تسببت هذه العملية في تراكم ديون معدومة على «آفاي» تصل إلى 230 مليون دولار، ما دفع شخصيات بارزة في عالم العملات الرقمية، من بينهم جوزيف لوبين، المؤسس المشارك لـ«إيثيريوم» وجاستن صن، الملياردير في مجال العملات الرقمية، بالإضافة إلى شركتي البنية التحتية ليير زيرو و«مانتل»، إلى تنظيم عملية إنقاذ لمنع تفاقم الأزمة.
وصرّح ستاني كوليتشوف، مؤسس ورئيس «آفاي» التنفيذي، بأن القطاع تعرّض «لاختبار ضغط كبير»، مضيفاً أن خطة الإنقاذ «تهدف إلى استعادة استقرار التمويل اللامركزي (DeFi) بالكامل، وتجنب انتشار العدوى، وضمان تجاوز النظام البيئي بأكمله لهذه الحادثة، وليس «آفاي» وحدها». ويرى كثيرون أن خطة إنقاذ مثل هذه تتعارض مع روح التمويل اللامركزي وخيبة الأمل من التمويل التقليدي التي غذّت نموه.
وكثيراً ما استشهد المؤيدون بعمليات الإنقاذ الحكومية للبنوك الكبرى خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 كدليل على إخفاقات التمويل السائد وسبب لإيمانهم بالقطاع اللامركزي. وكشف آدم مورغان مكارثي، كبير محللي الأبحاث في شركة «كايكو» لتحليلات العملات المشفرة، أن خطة الإنقاذ كشفت أن هذه الشركات «تتظاهر باللامركزية».
وأضاف: «في الواقع، هم ما بين 12 إلى 20 رجلاً يعملون في مجال العملات المشفرة منذ 20 عاماً، ولهم مصلحة راسخة في الحفاظ على مشاريع بعضهم البعض حتى لا ينخفض سعرها».
وقد شهدت معظم مشاريع التمويل اللامركزي انخفاضاً في أسعار رموزها مؤخراً، وهو مؤشر على كيفية تقييم المتداولين والقطاع الأوسع لهذه المشاريع. فقد انخفض رمز «آفاي» بنسبة 20 % منذ 18 أبريل و50 % خلال العام الماضي، بينما انخفض رمز منصة «يوني سواب» بنحو 34 % مقارنةً بالعام الماضي.
وتُلقي الانهيارات بظلال من الشك على مستقبل قطاع لم يشهد حتى الآن سوى عدد قليل من نماذج الأعمال الناجحة. ومن بين الشركات التي خالفت توجه التراجع، منصة التداول «هايبرليكويد» التي شهدت إقبالاً كثيفاً من المستخدمين على مشتقات النفط في أعقاب حرب الشرق الأوسط، ومنصة أسواق التنبؤ «بولي ماركت».
وعملت «بولي ماركت» في مجال التمويل اللامركزي غير الخاضع للتنظيم لسنوات، لكنها تواجه تدقيقاً متزايداً بسبب مزاعم التداول بناءً على معلومات داخلية وعدد من الرهانات المشبوهة.
وقد وجهت السلطات الأمريكية مؤخراً اتهامات لجندي بالمراهنة على المنصة بناءً على معلومات حول اعتقال زعيم فنزويلا. وفي مؤشر على الضغط الواقع على «بولي ماركت» للتخلي عن جذورها اللامركزية، أعلنت الشركة عن شراكة مع شركة للتحليلات لتوفير مزيد من الرقابة على المنصة.
ومن المرجح أن تزيد عمليات الاختراق الأخيرة من شكوك المشرعين والجهات التنظيمية تجاه هذا القطاع. وسبق أن قدم أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي، من بينهم إليزابيث وارين وبيرني ساندرز، تشريعات تعارض تقديم الحكومة مساعدات مالية لشركات العملات المشفرة في حال انهيار القطاع.
وفي العام الماضي، صرح رئيس شركة «تشيناليسيز»، أكبر شركة لتتبع العملات المشفرة في العالم، لصحيفة فاينانشال تايمز بأن مجموعات التمويل اللامركزي (DeFi) تواجه خطراً جسيماً للهجمات الإلكترونية لعدم إيلائها أولوية لأمن منصاتها.
ويعمل أعضاء مجلس الشيوخ حالياً على مشروع قانون شامل يحدد هيكل السوق لقطاع العملات المشفرة بأكمله. وقد شكلت حماية مطوري التمويل اللامركزي نقطة خلافية في المفاوضات حول التشريع، الذي من شأنه وضع قواعد للجهات المركزية التي تتعامل مع مجال التمويل اللامركزي.
كما يحذر بعض المعلقين من أن التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية تشكل تهديدات إضافية للتمويل اللامركزي.
وقالت فريدريكه إرنست، المؤسسة المشاركة لشركة «نوسيز»، وهي شركة تقنية لامركزية، إن المتسللين أصبحوا أكثر كفاءة في رصد الثغرات الأمنية في هذا القطاع، مشيرة إلى أن الاختراق الأخير ربما يكون قد تم بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وأضافت: «يجب أن يدرك العاملون في هذا النظام البيئي أننا أهداف سهلة. لم يتم وضع الضوابط بعد. إنه وقت خطير للتواجد في مجال التمويل اللامركزي».