جيليان تيت

أخبرني أحد الممولين في نيويورك مؤخراً أنه شهد تجربة جديدة: المتدربون الصيفيون بشركته لعام 2025 كانوا أول جيل من أبناء الذكاء الاصطناعي الحقيقيين، ما يعني أنهم نشأوا ليس فقط في بيئة التكنولوجيا الرقمية، بل في بيئة الذكاء الاصطناعي أيضاً.

لكن عندما سألته كيف كانت النتيجة؟ قال متألماً: بدا هؤلاء الطامحون للسيطرة على العالم في البداية مثيرين للإعجاب، لكن عندما تعمق الممولون في أفكارهم لاحقاً وجدوها سطحية بشكل مثير للقلق.

ونتيجة لذلك، قررت شركته من عروض العمل الدائمة المقدمة لهؤلاء، وأصبحت تركز بشكل أقل على خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتزيد من تركيزها على طلاب العلوم الإنسانية. وأوضح قائلاً: «نريد التفكير النقدي، وليس مجرد الذكاء الاصطناعي»، فالقدرات العقلية البشرية ضرورية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي.

هذه مجرد حكاية صغيرة ضمن سيل من القصص المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنها تسلط الضوء على نقطةٍ مهمة: مع اجتياح حمى الذكاء الاصطناعي للقطاع المالي، لا تُحقق هذه الحمى الأرباح الضخمة التي تنبأ بها دعاة التكنولوجيا، ولا تعجل بالكارثة التي حذر منها المتشائمون ـ على الأقل ليس بعد.

نعم، يبدي الداعمون لهذه التكنولوجيا حماساً كبيراً لزيادة الإنتاجية المفترضة، حيث تقدم كيانات مثل جيه بي مورغان وفيزا نفسها الآن كمجموعات تقنية للذكاء الاصطناعي، لا كمؤسسات مالية تقليدية.

ويشير استطلاع حديث أجرته شركة إنفيديا إلى أن 89 % من المديرين التنفيذيين في القطاع المالي يقولون إن الذكاء الاصطناعي يعزز الإيرادات، بينما يعتقد 73 % منهم أنه «حاسم لنجاحهم المستقبلي».

مثل هذا الحماس يثير قلق الجهات التنظيمية. وأحد الأسباب هو أن الأحجام الهائلة من التمويل الائتماني - الخاص في الغالب لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤدي إلى حالات تعثر، وهو ما حذر منه مجلس الاستقرار المالي منذ أيام.

وهناك خطر حقيقي من أن التكنولوجيا تلحق الضرر بالاستقرار المالي. وكما يشير صندوق النقد الدولي، فإن التهديد المباشر الذي يشغل بال الممولين هو أزمة نظامية ناجمة عن هجوم إلكتروني.

وكما لاحظ مجلس الاستقرار المالي، هناك مخاطر أخرى: «التوجيه» الحاسوبي نحو صفقات متطابقة؛ والاعتماد المفرط على عدد قليل من مزودي الخدمات السحابية خارج نطاق الرقابة التنظيمية؛ إلى جانب مخاطر الهلوسة التي تصيب هذه النماذج.

وهناك جهود للاستجابة من جانب الجهات التنظيمية، فقد اجتمع سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، وجاي باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مؤخراً مع كبار الممولين لمناقشة المخاطر التي يشكلها نموذج «ميثوس» الجديد لشركة أنثروبيك، ودعت ميشيل بومان، نائبة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى مزيد من «المرونة» في كيفية تقييم الجهات التنظيمية لنماذج مخاطر البنوك.

كما اتخذت هيئة السلوك المالي في المملكة المتحدة مؤخراً خطوة مبتكرة: فهي تقدم قوة حوسبة وبيانات مجانية لشركات التكنولوجيا المالية التي تعمل داخل «بيئة اختبار معززة» تابعة لها، وذلك بعد نجاح مشروع تجريبي مع شركة إنفيديا العام الماضي. وقالت جيسيكا روسو من هيئة السلوك المالي: «الفكرة هي توفير بيئة مناسبة للمبتكرين لاختبار حلولهم وتطبيقها بطريقة آمنة ومسؤولة».

ورغم تصاعد الخطاب الحماسي حول الذكاء الاصطناعي، فإن واقع الذكاء الاصطناعي يعتبر أكثر تعقيداً. على سبيل المثال، فقد خلص استطلاع جديد أجرته كلية جادج للأعمال في كامبريدج، شمل 628 شركة وهيئة تنظيمية في مجال التمويل والذكاء الاصطناعي من جميع أنحاء العالم، إلى أن 81 % من مجموعات التمويل في القطاع الخاص تستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً، وأن نصفها يتبنى الذكاء الاصطناعي الوكيل. وتستخدم معظم هذه الشركات نماذج خارجية، وتعد «أوبن ايه آي» المزود الرئيسي بفارق كبير.

مع ذلك، يشير الاستطلاع إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يقتصر في الغالب على وظائف الدعم الإداري، مع انتشار محدود في مجالات أخرى.

وعلى عكس استطلاع «إنفيديا»، وجد استطلاع كامبريدج أن 76 % من المجموعات المالية الكبيرة - و55 % من جميع المشاركين في الاستطلاع من مختلف القطاعات - يجدون صعوبة في قياس قيمة الذكاء الاصطناعي. وفي الواقع، أفاد 40 % فقط بزيادة في الأرباح بفضل الذكاء الاصطناعي.

بينما لم يلحظ 43 % أي تغيير على الإطلاق. والأكثر إثارة للدهشة، أن ربع المشاركين فقط يتوقعون فقدان وظائف في القطاع، في حين يتوقع 58% أن يُحفز الذكاء الاصطناعي المزيد من التوظيف أو إعادة تأهيل الموظفين في مجموعاتهم.

وقد يعتبر المتحمسون للذكاء الاصطناعي هذا دليلاً على أن بعض الممولين يرفضون التكنولوجيا، ففي نهاية المطاف، لا تزال ثورة الذكاء الاصطناعي في بداياتها.

في الوقت نفسه، يبدو أن العديد من الجهات التنظيمية أكثر رفضاً للتكنولوجيا: فمستوى تبنيها للذكاء الاصطناعي، وبالتالي معرفتها به، لا يتجاوز نصف مستوى مجموعات القطاع الخاص التي تشرف عليها. وهذا أمر مقلق.

عموماً، فإنه من الملاحظ أن الفجوة بين الخطاب والواقع في تطبيق الذكاء الاصطناعي تتكرر في العديد من الدراسات الاستقصائية الأخرى التي أجرتها ماكينزي، ومعهد التمويل الدولي، وإرنست ويونغ، وغيرها.

وعلى سبيل المثال، تشير دراسة استقصائية أجرتها هايلاند إلى أن 45 % فقط من الشركات تقول إن الذكاء الاصطناعي يحقق النتائج المرجوة.

وقد يكون هذا مجرد تأثير تأخير زمني. لكنني أظن أنه يعكس أيضاً أمراً آخر: فالآلات الذكية لا تفعل نفسها تلقائياً، سواءً للخير أو للشر. ولذلك، تبقى الاستراتيجية البشرية حاسمة.

لذا، فإن السؤال الأهم الآن ـ بالنسبة للممولين والجهات التنظيمية وجهات التعليم والتدريب على حد سواء - هو كيفية إعداد كوادر مؤهلة في مجال الذكاء الاصطناعي، قادرة أيضاً على استخدام التفكير النقدي اللازم لاكتشاف الفرص والمخاطر (الحقيقية جداً) في هذا المجال. والشركات التي تجد هذه الكوادر ستكون هي الرابحة الحقيقية. إذن، لننتظر مجموعة المتدربين لعام 2026.