يبدو أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قادر على تجاوز أي شيء تقريباً، فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، صمد المؤشر أمام أجندة الرئيس الأمريكي لرفع الرسوم الجمركية، وكذلك هجماته على استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، نجح المؤشر في أن يمحو الخسائر التي نجمت عن الحرب في منطقة الشرق الأوسط، وارتفع إلى مستويات قياسية، ليسجل في أبريل أفضل أداء شهري له منذ عام 2020، وذلك على الرغم من استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز - الذي يمر عبره عادةً خُمس نفط العالم والغاز الطبيعي المسال - وتضاؤل المؤشرات على إحراز تقدم نحو اتفاق سلام دائم، كما أنه خلال الأسبوع الماضي، بلغت أسعار النفط 126 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى لها في 4 سنوات.

وظاهرياً، تبدو أسعار الأسهم الأمريكية منفصلة عن الواقع المضطرب، لكن هناك بعض المنطق في جنون السوق الظاهر. فأولاً، تتناسب التقييمات مع أرباح الشركات، والتي ظلت قوية. وبينما تتأثر بعض شركات السلع الاستهلاكية والتصنيعية بارتفاع تكاليف الطاقة، فإن مرونة الأرباح في قطاعات أخرى تدعم مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بشكل عام.

وعلى سبيل المثال، ارتفعت إيرادات التداول في أكبر بنوك وول ستريت نتيجة لتقلبات السوق، كما ارتفعت أسهم الطاقة مع ارتفاع أسعار النفط.

والأهم من ذلك، أن نتائج الأرباح القوية والتوقعات الإيجابية لشركات تصنيع الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات الضخمة في الربع الأول عززت التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي. وبما أن قطاع تكنولوجيا المعلومات يشكل حوالي ثلث القيمة السوقية، فقد ساهم أداء هذا القطاع في دفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 نحو الارتفاع.

ثانياً، يصعب على المستثمرين تحديد قيمة حالة عدم اليقين، ورغم أن ترامب يقدم تحديثات منتظمة حول مفاوضات وقف إطلاق النار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن منشوراته غالباً ما تكون غامضة ومتناقضة - ربما عن قصد، ورغم أن البعض قد يحاول التداول بناءً على التحركات اليومية، إلا أنه من الأسهل بالنسبة للكثيرين تجاهل هذه المعلومات غير المهمة، إلى حين ظهور مؤشرات أوضح. وبالمثل، أبقت اجتماعات الأسبوع الماضي للبنوك المركزية الكبرى، بما فيها الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، أسعار الفائدة ثابتة، وهو أمر منطقي، في ظل مراقبتها للأثر الاقتصادي للحرب، وقد ساهم نهج الترقب والانتظار في دعم الأسهم.

علاوة على ذلك، يميل المستثمرون إلى التقليل من شأن أسوأ السيناريوهات، والمتمثل في إغلاق مضيق تايوان لفترة طويلة، ويعود ذلك جزئياً إلى اعتقادهم بوجود حدٍّ لما يمكن أن يتحمله البيت الأبيض من أعباء اقتصادية، ولدى ترامب سوابق عديدة في هذا الشأن؛ فعند انخفاض أسعار السندات والأسهم عقب إعلاناته عن «يوم التحرير» في أبريل 2025، خفف من إجراءاته الجمركية. وبالمثل، خلال الحرب، تراجع ترامب مراراً عن خطابه العدائي عقب التحركات المعاكسة للأسواق. لذلك، حافظ مؤشر ستاندرد آند بورز 500 على زخمه انطلاقاً من الاعتقاد بأن «ترامب دائماً ما يتراجع في اللحظة الأخيرة».

ورغم أن مرونة السوق قد تبدو بذلك منطقية، إلا أنها لا تزال قائمة على افتراضات هشة، فقد تتلاشى التوقعات المتفائلة للأرباح المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وعلى عكس سياساته الجمركية، يواجه ترامب صعوبة بالغة في عكس آثار الحرب، بل إن المحللين يرفعون توقعاتهم لأسعار النفط مجدداً.

وكلما طال أمد تعطل التجارة عبر المضيق، ازدادت مخاطر التداعيات الاقتصادية والسوقية عمقاً. وقد يُضطر الاحتياطي الفيدرالي - وغيره من البنوك المركزية - إلى رفع أسعار الفائدة.

ورغم أن ترشيح ترامب لكيفن وارش لرئاسة البنك المركزي سيُؤكد قريباً، إلا أن اجتماع لجنة السوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء الماضي أبرز المخاوف المتزايدة بشأن التضخم. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والاضطرابات في سلسلة توريد الرقائق الإلكترونية العالمية قد تُضعف التفاؤل المحيط بالذكاء الاصطناعي.

في الوقت الراهن، تبدو الرواية المتفائلة هي الأكثر إقناعاً، لكن مع ارتفاع مستويات التركز بالسوق ووصول حصة الأصول المالية للأسر الأمريكية في الأسهم إلى مستوى قياسي، ستكون التكاليف باهظة وقاسية إذا تحول هذا التفاؤل إلى واقع أكثر قتامة.