جيليان تيت

خلال الأسبوع الماضي، وجدت نفسي على مائدة طعام في سان فرانسيسكو، أتبادل أطراف الحديث مع شخصيات محلية بارزة. دارت أحاديث شيقة حول الذكاء الاصطناعي العام وصراع شركة أنثروبيك مع البنتاغون، والإدراجات العامة المحتملة لشركتي سبيس إكس وأوبن إيه آي، والتي قد تضخ المزيد من الثروة في منطقة خليج سان فرانسيسكو.

سألتهم: «ألا تخشون أن تؤدي الأحداث في الشرق الأوسط إلى عرقلة هذا؟» هزوا أكتافهم. وردّ أحدهم: «انظروا إلى الأسواق، إنها تحقق أداءً رائعاً!» مرحباً بكم في مفارقة عام 2026. فقد خلقت الحرب في الشرق الأوسط أكبر أزمة طاقة في التاريخ، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. كما أن دوائر الصراع والعنف تشمل أجزاء أخرى من الشرق الأوسط، بالإضافة إلى السودان وأوكرانيا. كما تتصاعد النزعة الشعبوية والقومية والاستقطاب الحاد في الغرب. وكذلك تتراكم الديون بشكلٍ هائل، ويتسارع تغير المناخ، كما أن ثورة الذكاء الاصطناعي التي تُثير حماس عمالقة وادي السيليكون، تُهدد بفقدان الوظائف. إلى جانب ذلك كله، تراجعت ثقة المستهلك الأمريكي إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق.

إن هذا كله ليس سوى جانب واحد من الحقيقة. فنحن نعيش في عصر ذهبي للعلم، لا يُطلق ثورةً واسعة النطاق في مجال الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يُحقق أيضاً معجزاتٍ أخرى، وإن كانت أقل وضوحاً في علوم الحياة والتكنولوجيا الخضراء. ولا يزال الاقتصاد العالمي ينمو بأكثر من 3 % سنوياً. لكن الأكثر إثارة للدهشة، هو أن أسواق الأسهم الأمريكية سجلت مؤخراً مستويات قياسية.

هذا صحيح: فمؤشر ستاندرد آند بورز 500 أعلى بأكثر من 3 % من مستواه في أواخر فبراير، مع بداية الحرب الإيرانية، وأعلى بنحو 30 % من مستواه قبل عام. ورغم أن مؤشرات الأسهم الأوروبية والبريطانية واليابانية شهدت تقلبات حادة، لكنها لا تزال تتمتع بمستوى جيد نسبياً: فمؤشر يورو ستوكس، على سبيل المثال، أقل مما كان عليه في أواخر فبراير، ولكنه لا يزال مرتفعاً 13 % على أساس سنوي. وهذا أمر لافت للنظر، بكل تأكيد.

ويعتقد كثيرون أن هذا الوضع لن يستمر، ويحذرون سراً - وأحياناً علناً - من احتمال حدوث تصحيح وشيك. وقالت سارة بريدن، نائبة محافظ بنك إنجلترا لشؤون الاستقرار المالي، لبي بي سي: «هناك مخاطر جمة.. أسعار الأصول عند أعلى مستوياتها على الإطلاق، لذلك نتوقع حدوث تعديل في وقت ما».

لكن المتفائلين في وادي السيليكون ما زالوا متشبثين بموقفهم. هل يخدعون أنفسهم؟ أم أن المتشائمين، من علماء السياسة الذين يحللون المأزق في مضيق هرمز، إلى الصناعيين القلقين بشأن نقص المدخلات الأساسية، هم من يخطئون التقدير؟

وأحد أسباب أهمية هذه الأسئلة اليوم، هو هوس ترامب نفسه بالأسهم. صحيح أن أسلافه، مثل جو بايدن وباراك أوباما، كانوا يتابعون مؤشر ستاندرد آند بورز 500. لكن كما أخبرني مسؤول سابق في البيت الأبيض، يعتقد ترامب أن «السوق هو مقياس نجاحه أكثر من أي رئيس سبقه». ومن هنا، جاءت شعبية ما يُسمى بمفهوم «التاكو» المنتشر في وول ستريت (والذي يسهم في دفع الأسعار للارتفاع)، والذي يستند إلى أن «ترامب يتراجع دائماً.. وإذا انخفضت أسواق الأسهم، فإنه يغير سياسته لرفع أسعار الأسهم مجدداً». ويبدو أن التداول عالي السرعة يُولّد المزيد من «سلوك القطيع»، ما يجعل الأسواق تتفاعل مع الأخبار بسرعة أكبر بكثير من ذي قبل. ويسخر خصومه من هذا. لكن، كما هو الحال مع الكثير مما يتعلق بترامب، فهو ببساطة يجسد اتجاهاً ثقافياً أوسع. فقد ارتفعت الأهمية الرمزية لـ «السوق» كقطب ثقافي في حياتنا بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة في الغرب، وخاصة في أمريكا.

لماذا؟ أحد الأسباب هو أن المزيد من جوانب الحياة الأمريكية أصبحت مُرتبطة بالقطاع المالي. أصبح السوق مؤشراً عملياً لصحة الاقتصاد الحالية والمستقبلية. والأبرز من ذلك هو الميل المتزايد إلى تشبيه أسواق الأسهم بالبشر - أي الحديث عنها كما لو كانت كائناً حياً، لها مزاجها وعواطفها ونواياها الخاصة. ولعل المحلل بنجامين غراهام كان أول من فعل ذلك عام 1949، عندما ابتكر شخصية «السيد سوق» في كتابه. كان ذلك مجرد أسلوب أدبي متخصص. أما اليوم، فقد أصبحت الأرقام أشبه بالكائنات الحية، على الأقل في نظرنا الشائع.

وقد يُشير المُتشائمون إلى أن الروبوتات - وليس البشر فقط - هي التي تُعكس صورة السوق الآن: 60 % إلى 80 % من جميع تدفقات التداول، تُدار بواسطة برامج الكمبيوتر والخوارزميات. هذا يعكس الأهمية المتزايدة لصناديق المؤشرات المتداولة (التي تشتري الأسهم تلقائياً لتعكس المؤشر العام)، والتداول الخوارزمي عالي السرعة من قِبل صناديق التحوّط (لاستغلال فجوات أسعار الأصول قبل أن تتاح للبشر أي فرصة لرؤيتها بالعين المجردة). ويبدو كذلك أن التداول عالي السرعة يُؤدي إلى زيادة ظاهرة «التقليد»، حيث تُبرمج الخوارزميات غالباً لشراء وبيع الأسهم بطرق متشابهة، ما يجعل الأسواق تتفاعل مع الأخبار بسرعة أكبر بكثير من ذي قبل.

إذن، نقطة أساسية هنا هي أنه: بينما قد ينظر ترامب إلى السوق على أنه مقياس لنجاحه، ويرى فيه العديد من المستثمرين أداةً للتنبؤ بالمستقبل، إلا أنه في الواقع مرآة غير دقيقة لعالمنا. وصحيح أن التوقعات العقلانية مهمة أحياناً، لكن الأسواق مدفوعة أيضاً بما يسميه مستثمر صناديق التحوط جورج سوروس «الانعكاسية»: أي أن تصوراتنا وتحيزاتنا تُشكل الواقع، وتعكسه في الوقت نفسه.

إذن، ما الذي يُظهره السوق حقاً الآن؟ في الأسابيع الأخيرة، سافرتُ إلى نيويورك وواشنطن ولندن وسان فرانسيسكو، وطرحتُ هذا السؤال على العديد من الأشخاص، واستمعتُ إلى إجاباتٍ مُتباينة. على الساحل الغربي، كان تفسير هذا الارتفاع واضحاً: الجميع مُتحمسون للغاية لعصرنا الذهبي للعلوم عموماً، وابتكارات الذكاء الاصطناعي خصوصاً، لدرجة أنهم يرون من الطبيعي تماماً أن تستمر الأسواق في الارتفاع، حتى في ظلّ الأجواء الجيوسياسية القاتمة. في الحقيقة، العديد من الشركات التي تُمثّل جوهر هذه الطفرة في مجال الذكاء الاصطناعي، مثل «أوبن أيه آي» و«أنثروبيك»، ليست جزءاً مُباشراً من هذا الارتفاع في السوق، لأنها لا تزال شركات خاصة. ولكن مع إدراج أسماء شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «السبع الرائعة» (آبل، ومايكروسوفت، وألفابت الشركة الأم لجوجل، وأمازون، وتسلا، وإنفيديا، وميتا الشركة الأم لفيسبوك)، في البورصة، والتي تُمثّل الآن حوالي ثلث مؤشر ستاندرد آند بورز 500، فقد ساهم هذا التفاؤل بشأن التكنولوجيا، في الارتفاع الكبير الأخير للمؤشر بشكل عام.

لكن في واشنطن، سمعتُ تفسيراً مختلفاً بعض الشيء. فقد صرّح وزير الخزانة سكوت بيسنت قائلاً: «الولايات المتحدة ليست عرضةً لصدمات الإمداد الناجمة عن مضيق هرمز، بل الدول الآسيوية هي المعرضة للخطر». وبشكلٍ أدق، فبينما تؤثر أزمة الطاقة بشدة في الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، يبدو الاقتصاد الأمريكي أكثر حصانة، لأنه يستخرج وقوده الأحفوري بنفسه. لذا، ليس من المستغرب أن تُشير منظمات مثل صندوق النقد الدولي، ليس فقط إلى أن الاقتصاد الأمريكي نما بوتيرة أسرع من منافسيه في السنوات الأخيرة، بل تتوقع أيضاً استمرار هذه الفجوة هذا العام والعام المقبل. ويُعدّ التفاوت في تأثير الحرب، أحد أسباب تفوق أداء أسواق الأسهم الأمريكية على الأسواق الأخرى. لكن هذا يُساعد أيضاً في تفسير النقاش العالمي الأوسع حول أسواق رأس المال، إذ من التفاصيل اللافتة الأخرى، أن الأسهم الأمريكية تُشكّل 65 % من إجمالي القيمة السوقية العالمية للأسهم، مُرتفعةً من 40 % في 2010. أما في نيويورك، فقد سمعتُ تفسيراً ثالثاً مُرتبطاً بارتفاع أسعار الأسهم: أرباح الشركات، إذ تُشير بيانات بلومبيرغ إلى أن ما يقرب من 80 % من شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500، التي أعلنت نتائج الربع الأول هذا الشهر، قد تجاوزت توقعات المحللين للأرباح. يُعكس هذا جزئياً قوة شركات التكنولوجيا الكبرى. ولكن إذا أمعنّا النظر في البيانات، فإن اللافت في الأشهر الأخيرة، هو الأداء الجيد للعديد من الشركات غير التقنية أيضاً. بل يتوقع معظمهم استمرار هذا الأداء، لا سيما مع ادعائهم أن الذكاء الاصطناعي سيُطلق العنان لزيادة الإنتاجية.

وثمّة تفسير رابع لهذا الارتفاع، يُشار إليه غالباً في لندن، ويرتبط بقدرتنا على الصمود في وجه الصدمات. فبالنظر إلى التاريخ، يبدو أن المستثمرين غالباً ما كانوا هادئين - أو حتى غير مبالين - في مواجهة الحروب. فقد ارتفعت أسواق الأسهم في البداية خلال الحرب العالمية الثانية. ويشير محللو أليانس بيرنشتاين إلى أنه «خلال ثمانية صراعات كبرى على مدى العقود الخمسة الماضية، كان مؤشر ستاندرد آند بورز 500 متقلباً في كثير من الأحيان مع اندلاع الأعمال العدائية»، مضيفين: «في المتوسط، وبعد عام واحد من بدء الصراع، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 7 %». ويبدو أن هذا السيناريو يتكرر. ومن أهم ما يُميّز عام 2026، هو أن المستثمرين وقادة الشركات اليوم - على عكس 2006 - لديهم خبرة واسعة في التعامل مع الصدمات القوية. «على مدى السنوات القليلة الماضية، عانى الاقتصاد العالمي من الحرب الروسية الأوكرانية، ورفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة، وتجدد التوترات التجارية، ومع ذلك، استمر النمو بوتيرة قريبة من المعدل الطبيعي، وانخفض التضخم إلى مستويات ما قبل الجائحة». وهذا ما قاله سيتي مؤخراً لعملائه.

يبقى تفسير خامس محتمل لهذا الارتفاع، وهو ما يردده مسؤولو الجهات التنظيمية غالباً، ألا وهو أن هذه مجرد فقاعة ستنفجر في نهاية المطاف. وبشكل أدق، يمكن تفسير الشعار الجديد حول المرونة، على أنه نمط من الرضا عن النفس والجهل، أو، ربما بشكل أدق، كنتيجة خطيرة لثلاثية من الاختصارات التي باتت معروفة: تينا، فومو، وتاكو. الأول «تينا» يتعلق بشكوى العديد من المستثمرين الذين يشترون الأسهم من أنه «لا يوجد بديل»، وأنهم مضطرون لاستثمار أموالهم، والخيارات الأخرى تبدو غير جذابة. أما الثاني «الخوف من تفويت الفرصة»، فيدفع مالكي الأصول إلى الاستمرار في شراء الأسهم، حتى مع وجود تحفظات، لتجنب الظهور بمظهر الأحمق أو الخروج عن المعايير، بينما خلق مفهوم «التاكو» اعتقاداً واسع النطاق بأن على المستثمرين «شراء الأسهم عند انخفاضها»، للاستفادة من الارتفاع الذي سيطلقه ترامب لاحقاً، من خلال تغيير في السياسة. ومن غير الواضح ما إذا كان المستثمرون الذين يُقبلون على شراء الأسهم بحماسٍ كبير، يُدركون كيف ستؤثر حرب الشرق الأوسط في سلاسل التوريد الصناعية المعقدة في العالم الحقيقي، وعلى النمو المستقبلي. أظن أن معظمهم لا يُدرك ذلك، تماماً كما لم يُدرك سوى عدد قليل جداً من المستثمرين آلية عمل سوق الرهن العقاري عالي المخاطر قبل انهيار 2008. إذن، أي من هذه التفسيرات الخمسة صحيح؟ من الممكن أن تثبت صحة جميع التفسيرات الخمسة. إن الحماس للتكنولوجيا، والنمو الأمريكي، والأرباح القوية للشركات، هي التي تُحرك الزخم، ومعها تدفقات التداول المحوسبة في الوقت الحالي. لكن عندما يُقيّم المحللون المخاطر طويلة الأجل، يُرجّح حدوث تصحيح في المستقبل، فهذه هي طبيعة الدورات الاقتصادية والسوقية.