مايكل بيل - كلايف كوكسون

قال أفلاطون ذات مرة إن علم الفلك «يدفع الروح إلى النظر للأعلى، ويقودنا من هذا العالم إلى عالم آخر». وقريباً، ستنطلق رحلة كونية تحمل اسم الفيلسوف اليوناني القديم، لترصد نجوماً تبعد عنا سنوات ضوئية عدة، ضمن مساعٍ متزايدة للعثور على كواكب شبيهة بكوكبنا.

ومن المقرر إطلاق قمر بلاتو أو «أفلاطون» الاصطناعي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية مطلع العام المقبل، وهو مزود بمجموعة من 26 كاميرا عالية الدقة. ستقوم هذه الكاميرات بمسح آلاف الكواكب الخارجية؛ عوالم تقع خارج نظامنا الشمسي.

ويمثل «بلاتو» جزءاً من جهد تاريخي لتحديد عوالم بعيدة شبيهة بالأرض، تحمل دروساً لمستقبل كوكبنا، وربما تكون قادرة على استضافة الحياة. تقول آنا هيراس باستور، عالمة مشروع مهمة «بلاتو»: «الهدف الرئيس هو فهم مدى اختلاف نظامنا الشمسي عن الأنظمة الأخرى، أو تشابهه معها».

وتُعدّ مهمة بلاتو جزءاً مما وصفه ريد وايزمان، قائد مهمة أرتميس 2 التابعة لناسا، بـ«العصر الذهبي» لاستكشاف الفضاء. وخلال الشهر الماضي، دار طاقم أرتميس حول الجانب البعيد من القمر، تماماً كما فعل أسلافهم في برنامج أبولو قبل أكثر من نصف قرن في حقبة سابقة من الطموحات الفضائية.

وبطبيعة الحال، فإن إمكانات اليوم وطموحاته تفوق بكثير أي شيء كان متوقعاً وقت أول هبوط بشري على سطح القمر عام 1969، عندما كانت العوالم المعروفة الوحيدة هي تلك التي تدور حول الشمس.

وبفضل التطورات التكنولوجية السريعة في الصواريخ والتلسكوبات والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والروبوتات، أصبح بإمكان العلماء استكشاف الفضاء الخارجي بشكل غير مسبوق.

وفي الوقت نفسه، ازداد التمويل العام والخاص لبرامج الفضاء باستمرار، لا سيما في الولايات المتحدة والصين، اللتين تخططان لإنزال بشر على سطح القمر بحلول نهاية العقد. وتتطلع القوتان إلى المكاسب المحتملة مما يُسمى بالاقتصاد القمري.

وتتوقع شركة برايس ووترهاوس كوبرز «PwC» الاستشارية أن تتراوح الإيرادات التراكمية الإجمالية بين 94 و127 مليار دولار أمريكي من أنشطة مثل التعدين والسياحة على مدى 25 عاماً حتى عام 2050.

وقد أسهمت مشاريع الفضاء الممولة من قبل المليارديرات في تحويل فكرة السفر إلى الفضاء لغير رواد الفضاء إلى واقع ملموس، بينما يواصل العلماء البحث عن حياة خارج كوكب الأرض، لا سيما في السحب التي تغطي كوكب الزهرة.

وبين اكتشاف أول كوكب خارج المجموعة الشمسية وهبوط مركبة أرتميس 2 في الفضاء الشهر الماضي، حدد العلماء أكثر من 6000 كوكب آخر، وهي نسبة ضئيلة من أكثر من 100 مليار كوكب يُعتقد بوجودها في مجرة درب التبانة.

المشكلة تكمن في أن المسافات إلى الكواكب الخارجية تكاد تكون عصيّة على التصور، ومن المستحيل على المركبات الفضائية التي صنعها الإنسان الوصول إليها في المستقبل المنظور.

وأقرب كوكب خارجي معروف يبعد أكثر من أربع سنوات ضوئية. وللمقارنة، فإن مسبار فوياجر 1، الذي غادر الأرض في 1977 أي قبل نحو نصف قرن، لن يصل إلى مسافة يوم ضوئي واحد من الأرض إلا هذا العام.

ويُعدّ تلسكوب جيمس ويب أداة جديدة بالغة الأهمية في البحث عن الكواكب الخارجية. وكان قد تم إطلاقه في عام 2021 كمشروع تعاون دولي بين وكالات الفضاء الأمريكية والأوروبية والكندية.

ويدور التلسكوب حول الشمس على بُعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض، أي ما يعادل أربعة أضعاف بُعد القمر عن الكوكب. ولتجنب ارتفاع درجة حرارته، تم تزويد التلسكوب بواقٍ شمسي بحجم ملعب تنس.

ومن موقعه المحمي، يستطيع التلسكوب رصد وتحليل الانبعاثات الضوئية من أنظمة الكواكب الخارجية باستخدام تقنية تُعرف باسم التحليل الطيفي لتحديد تركيب العوالم البعيدة.

ويتعلق الأمر بكيفية تفاعل كل مادة كيميائية مع الضوء بطريقة فريدة، تبعاً لبنيتها. لكل عنصر أو جزيء بصمة طيفية مميزة، كبصمة الإصبع أو الرمز الشريطي. تشير هذه الملاحظات وغيرها، بما في ذلك تلك التي رصدتها تلسكوبات أرضية متطورة باستمرار، إلى أن الكواكب الخارجية تتمتع بتنوع استثنائي.

وتتراوح الاكتشافات بين عوالم مائية قد تؤوي كائنات حية، وأجرام كبريتية تبدو كجهنم للبشر، لكنها قد تمتلك تركيباً كيميائياً فريداً خاصاً بها، وذلك كله هو مجرد جزء من بحث أوسع عن حياة ذكية خارج كوكب الأرض، حيث تستمع التلسكوبات الراديوية أيضاً إلى إشارات تأتينا من بعيد.

ومن بين الأهداف الواعدة في البحث عن الحياة عوالم نظام ترابيست-1، الذي يبعد نحو 40 سنة ضوئية.

وبعض الكواكب الخارجية صخرية، وبعضها غازية، وبعضها حار لدرجة غليان المعادن، بينما يقارن بعضها الآخر ببرودة القارة القطبية الجنوبية في أشد حالاتها برودة.

وقد تدور حول نجمين أو أكثر في آنٍ واحد، أو لا تدور حول أي نجم على الإطلاق. وغالباً ما تقاس أحجامها بمقارنتها بالكواكب الأكثر شيوعاً في نظامنا الشمسي، التي تحمل أسماء مثل «الأرض العملاقة»، و«نبتون المصغر».

ولا تزال معرفتنا بالكواكب الخارجية غير مكتملة ومجزأة، ما يثير الكثير من الجدل الحاد حول النتائج، لا سيما فيما يتعلق بكوكب يُعرف باسم «K2-18b» يقع على بُعد 124 سنة ضوئية من الأرض.

فقد أعلن العلماء العام الماضي أنه أظهر دلائل طيفية على وجود نشاط بيولوجي، فيما وصفوه بأنه أقوى دليل حتى الآن على وجود حياة خارج كوكب الأرض.

وقد أثارت أبحاث أخرى أُجريت على «K2-18b» شكوكاً حول هذا الادعاء. وقال علماء آخرون إن البيانات التي تشير إلى وجود كبريتيد ثنائي الميثيل (DMS)، وهي مادة كيميائية تنتجها الكائنات الدقيقة على الأرض، ليست ذات دلالة إحصائية.

وجادل بعض الخبراء بأن كبريتيد ثنائي الميثيل ربما يكون قد تشكل بفعل عمليات كيميائية غير حيوية، مشيرين إلى أنه سبق رصده على أحد المذنبات.

وإذا عدنا إلى القمر، فقد اتسعت آفاق التطلعات المتعلقة بالقمر من زيارات بشرية متقطعة إلى استيطان دائم، فبعد عام 2028، تهدف ناسا إلى إطلاق مهمات مأهولة إلى القمر مرتين سنوياً، بالتزامن مع بدء تجهيز البنية التحتية لقاعدة قمرية بتكلفة 20 مليار دولار.

وتقع المواقع التسعة المرشحة جميعها بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، حيث يعتقد العلماء أن معظم مياه القمر موجودة على شكل جليد مظلل بجدران الفوهات، لكن تبقى هناك عقبات هائلة.

والأهم من ذلك أن «ناسا» لم تُقرر بعد أياً من المركبتين الهابطتين المتنافستين المقدمتين من شركتي سبيس إكس التابعة لإيلون ماسك، وبلو أوريجين التابعة لجيف بيزوس، ستكون جاهزة في الوقت المناسب لنقل رواد الفضاء من مركبة أوريون الفضائية إلى سطح القمر في مهمة أرتميس 4 عام 2028. وخلال العام المقبل، ستختبر مهمة أرتميس 3 أداء المركبتين وقدراتهما على الالتحام في مدار الأرض.

وتُصرّ إدارة ترامب على قيادة الاستيطان المبكر للقمر، لكن وكالة ناسا تُشدّد على التعاون، بما في ذلك مع شركات القطاع الخاص مثل مصنّعي المركبات الهابطة ووكالات الفضاء في دول أخرى.

أما الصين، فهي مسألة أخرى، ففي صدى لسباق الفضاء الأصلي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، يشير جاريد إسحاقمان، مدير ناسا الذي عيّنه الرئيس دونالد ترامب في ديسمبر، مراراً وتكراراً إلى التنافس مع بكين.

وقد صرّح في ندوة الفضاء الأمريكية السنوية في كولورادو سبرينغز الشهر الماضي: «الريادة الأمريكية في مجال الفضاء ليست خياراً». وترسل الصين منذ سنوات عدة بعثات روبوتية طموحة بشكل متزايد إلى القمر، بما في ذلك أول بعثة تهبط بنجاح على الجانب البعيد عام 2019.

وتهدف بكين إلى إنزال طاقم على سطح القمر بحلول 2030. وتوقع العديد من المراقبين أن تستهدف موقع هبوط بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، كما تفعل الولايات المتحدة. لكن في مارس، نشر علماء صينيون تحليلاً لمنطقة تُسمى «ريماي بودي» بالقرب من خط استواء القمر، قالوا إن جيولوجيتها جعلتها «مرشحاً ذا أولوية عالية للمهمة الصينية المأهولة القادمة».

وإذا اتجهت الصين والولايات المتحدة إلى مواقع هبوط مختلفة، فسيقلل ذلك من احتمالات التنافس الفوري، لكن بعض المراقبين يخشون نشوب صراع محتمل على موارد القمر إذا أصبح استخراج المواد النادرة منه مربحاً لنقلها إلى الأرض. وتشمل هذه المواد الهيليوم-3 لمفاعلات الاندماج النووي، أو الماء للاستخدام على سطح القمر نفسه.

وتشمل الأنشطة الإضافية المدرة للدخل النقل عبر سطح القمر، والاتصالات، وبناء مساكن للزوار من علماء وسياح. كما يمكن أن يكون القمر نقطة انطلاق لبعثات إلى المريخ.

من ناحية أخرى، فتحت الروبوتات آفاقاً جديدة للسفر إلى الفضاء، وأثارت شكوكاً حول ضرورة سفر البشر إلى ما وراء الغلاف الجوي للأرض. ويرى مارتن ريس، الفلكي الملكي البريطاني السابق، أن «الجدوى العملية لرحلات الفضاء البشرية تتضاءل مع كل تقدم في مجال الروبوتات».

ويضيف: «بحلول الوقت الذي تصبح فيه أول مهمة مأهولة إلى المريخ جاهزة للانطلاق، ستسهم التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي حتماً في تضييق الفجوة الحالية بين قدرات الروبوتات والبشر».

في المقابل، لا يخطط أي إنسان للذهاب إلى الغلاف الجوي العلوي لكوكب الزهرة، المليء بالغيوم والحموضة الشديدة، ومع ذلك يأمل الباحثون في العثور على حياة خارج كوكب الأرض هناك.

تتراوح درجات الحرارة حول 30 درجة مئوية معتدلة، على عكس 460 درجة مئوية على سطح الكوكب، وهي درجة حرارة تذيب الرصاص. وقد رُصدت آثار غاز الفوسفين، المرتبط بالنشاط البيولوجي على الأرض، هناك في عام 2020.

وقد أظهرت سارة سيجر، أستاذة علوم الكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومختبرها، أن مجموعة واسعة من الجزيئات العضوية، بما في ذلك لبنات بناء الحياة المحتملة، يمكن أن تعيش في حمض الكبريتيك المركز الموجود في السحب. وهي تعمل الآن مع شراكة بين القطاعين العام والخاص لإرسال مجسات لأخذ عينات من الغلاف الجوي.

وتقول سيجر: «أُقدّر احتمال وجود حياة في سحب الزهرة بنسبة 50 %. وللمقارنة، أُقدّر احتمال وجود حياة تحت سطح المريخ بنسبة 75 %، مع العلم أن هذه مجرد تكهنات في هذه المرحلة».

ومن الملاذات المحتملة الأخرى للحياة المحيطات السائلة التي يُعتقد أنها تقع تحت السطح الجليدي لبعض أقمار المشتري. ستزور مركبة «جوس» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ومركبة «يوروبا كليبر» التابعة لوكالة ناسا هذا الموقع في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.

كما تخطط وكالة الفضاء الأوروبية مبدئياً لمهمة تُسمى «L4» للهبوط على قمر زحل «إنسيلادوس» عام 2052، عندما يكون مُضاء بأشعة الشمس.

عموماً، فإن اكتشاف العديد من العوالم المجهولة سابقاً لا يسلط الضوء فقط على التطورات التكنولوجية الكامنة والتنافس بين القوى العظمى الذي يغذيها، بل يظهر أيضاً مدى سرعة التقدم الذي أحرزته البشرية في سعيها نحو النجوم، محور اهتمام أفلاطون منذ آلاف السنين.

وكما يقول جيمس ويندسور، مدير الأداء والحمولة لمهمة «بلاتو» التي سُميت تيمناً بالفيلسوف: «نسعى، في أفضل الأحوال، إلى إيجاد نسخة مُحسّنة من الأرض».