تيم برادشو-ورافي روزنرأودين-إيان بوت-بوب هاسليت

يعمل ديمتري دولغوف بمجال تطوير السيارات ذاتية القيادة منذ 20 عاماً. وقد فوجئ كثيراً عندما تمكنت سيارة تابعة لشركة وايمو في سان فرانسيسكو مؤخراً من رصد أحد المشاة المختبئين خلف حافلة ونجحت في الانحراف لتجنبه.

وقال دولغوف، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة وايمو، في بودكاست حديث: «كان علي أن أتساءل: ما الذي حدث هنا؟ أعلم أن لدينا أجهزة استشعار متطورة للغاية، وبرمجياتنا ذات قدرات عالية، لكننا لا نستطيع الرؤية من خلال الأشياء».

لكن السر يكمن في واقع الأمر في تغيير جوهري في كيفية تطوير الشركة الرائدة عالمياً في مجال سيارات الأجرة ذاتية القيادة، والتابعة لشركة ألفابت (الشركة الأم لشركة جوجل)، لأنظمة القيادة الذاتية.

إن سيارات الأجرة ذاتية القيادة بدأت في السنوات الأخيرة تستفيد من التطورات الواسعة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما مكّن المركبات من توسيع تجاربها لتشمل مواقف جديدة، بلوحتى التنبؤ بخطوات المشاة التالية. وهكذا تمكنت السيارات ذاتية القيادة أخيراً من الانتقال من التجارب الصغيرة إلى الانتشار الدولي السريع الذي نشهده اليوم.

وهكذا يسعى مشغلون جدد مثل شركة «وابي» الكندية وشركة «وايف» البريطانية إلى منافسة شركة «وايمو» الرائدة. وبعد عقود من التطوير، تواجه سيارات الأجرة ذاتية القيادة الآن أكبر اختبار لها حتى الآن مع بدء ظهورها في شوارع المدن حول العالم. لكن كيف تطورت هذه التقنية؟

بدأت «وايمو» كمشروع لشركة جوجل عام 2009. وفي السنوات الأولى، كان لا بد من تعليم سائقها الآلي قواعد المرور واحدة تلو الأخرى. واضطر المهندسون في «وايمو» وغيرها من الشركات الرائدة، مثل شركة «بايدو» الصينية، إلى برمجة توجيهات السلامة والملاحة الرئيسة يدوياً.

وقطعت هذه المركبات الروبوتية الأولى ملايين الأميال في شوارع المدن، أولاً لمسحها ضوئياً وبناء خرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لبيئتها، ثم لتعلم كيفية رصد التغيرات في هذه البيئة والاستجابة لها. وجمعت هذه المركبات البيانات باستخدام مجموعة متطورة من أجهزة الاستشعار: الرادار و«الليدار» اللذين يعكسان موجات الراديو والضوء من محيطها، بالإضافة إلى كاميرات متعددة موجهة في جميع الاتجاهات.

كانت المحاكاة الخطوة الأولى لتوسيع آفاق هذه الروبوتات. واستُخدمت جميع بيانات أجهزة الاستشعار لبناء مدن افتراضية، حيث يمكن تعريض السيارات الروبوتية لمفاجآت أكثر بكثير مما تواجهه في العالم الحقيقي، ما يساعد على تعاملها الناجح مع العديد من «الحالات الاستثنائية» - وهي أحداث نادرة الحدوث ولكنها بالغة الأهمية للسلامة لتجنب أي احتمال لإلحاق الأذى بأحد.

وقد استغرق الأمر أكثر من عقد وأربعة أجيال من تقنية «وايمو» قبل أن تصبح مركباتها جاهزة للنشر كخدمة تجارية ذاتية القيادة بالكامل، بدءاً من ضاحية تشاندلر بولاية أريزونا عام 2020.

في المقابل، تقرر إغلاق شركة كروز التابعة لشركة جنرال موتورز بعد حادثة سحب أحد المشاة عام 2023 نتيجة سوء إدارة. ولم تبدأ شركة وايمو بتوسيع نطاق خدماتها بشكل ملحوظ إلا في العام الماضي. وقد حاولت شركات منافسة، مثل زوكس التابعة لشركة أمازون، إطلاق خدماتها، بينما لا تزال شركات تطوير أصغر، مثل «وايف» و«وابي» تختبر خدماتها على الطرق العامة.

وفي حين أن سيارات الأجرة ذاتية القيادة من «بايدو» و«وايمو» لا تزال تبدو كسيارات تقليدية - وإن كانت مزودة بحامل أمتعة أكبر على السقف مزود بأجهزة استشعار - فقد خطت زوكس، التي تأسست عام 2014، خطوة أبعد. فبدلاً من تعديل سيارة تقليدية، قامت ببناء سيارتها ذاتية القيادة التي لا تحتوي على عجلة قيادة، من الصفر.

لكن كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير كل شيء؟ يقول ديمتري دولغوف إن «القفزة الكبيرة» لشركة وايمو جاءت مع الجيل الخامس من نظام القيادة الآلية الذي تم طرحه عام 2020.

وهذا هو أحدث إصدار من نظام الأجهزة والبرامج المتكامل الذي يدعم مركبات الشركة ذاتية القيادة. ويعتمد الإصدار الخامس بشكل أساسي على سيارات جاكوار «آي بيس» المنتشرة في سان فرانسيسكو.

والتي بدأت بالظهور مؤخراً في لندن، حيث بدأت شركة «وايمو» اختبارات القيادة الذاتية هذا الشهر. وقال دولغوف: «بينما استخدم نظام الجيل الرابع بعض نماذج الذكاء الاصطناعي ونماذج الآلات، فقد راهنّا بقوة أكبر واعتمدنا على الذكاء الاصطناعي كركيزة أساسية للجيل الخامس».

والسيارة التي فاجأت دولغوف بقدرتها على الرؤية عبر الحافلة، تمكنت من رصد خطوات المشاة والتنبؤ بها رغم أنهم كانوا مخفيين إلى حد كبير. ومن خلال استنتاج حركة طفيفة من قدمي الشخص أسفل الحافلة، تنبأت السيارة بأنه على وشك الخروج من ورائها.

وعلى غرار نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة التي تدعم «شات جي بي تي» من «أوبن ايه آي» أو «كلود» من «انثروبيك»، تمتلك «وايمو» نموذجها الأساسي الخاص الذي يدعم ثلاثة أنظمة منفصلة لبناء سيارة ذاتية القيادة آمنة:

«السائق» نفسه، و«المحاكي» للاختبار الافتراضي، و«الناقد» الذي يُقيّم أداء السائق. وبالإضافة إلى التدفق المستمر للبيانات الجديدة من سيارات «وايمو» على الطريق، يُنشئ ذلك حلقة تغذية راجعة تُمكّن من التحسين المستمر.

ويقوم نموذج اللغة المرئية، الذي يتم تدريبه باستخدام نظام «جيميني» من جوجل، برؤية الطريق أمام السيارة وتفسيره. ويستقبل نظام فك التشفير هذه المدخلات للتنبؤ بكيفية استجابة مستخدمي الطريق الآخرين ورسم أفضل مسار للمضي قدماً.

وساهم انطلاق شركة «وايمو» المبكر ودعم جوجل لها في دفعها إلى طليعة صناعة سيارات الأجرة ذاتية القيادة، حيث قطعت أكثر من 200 مليون ميل بشكل مستقل تماماً مع ركاب.

ومع ذلك، فهي تواجه الآن منافسة متزايدة من شركات جديدة ليس فقط في وادي السيليكون، بل أيضاً في المملكة المتحدة والصين وغيرها. يراهن الكثيرون على أن البدء من الصفر في عصر الذكاء الاصطناعي الجديد سيمكنهم من التوسع بسرعة أكبر وبتكلفة أقل من «وايمو».

ويدعي أليكس كيندال، الرئيس التنفيذي لشركة «وايف» التي تأسست عام 2017، أن شركته كانت الأولى التي تستخدم «التعلم العميق الشامل» لتعليم سياراتها القيادة الذاتية بمجرد مراقبة سلوك السائقين البشريين خلف عجلة القيادة.

ويصف كيندال نظام «وايف» بأنه «نموذج أساسي متعدد الأغراض للقيادة»، ما يعني إمكانية نشر سياراتها في مواقع وبيئات متنوعة لم ترها من قبل، ما يعني أن مركباتها غير مقيدة بمنطقة جغرافية محددة كما هي الحال مع سيارات «وايمو» اليوم.

لكن ما الخطوة التالية في نشر سيارات الأجرة ذاتية القيادة؟ تعمل «وايمو» حالياً في عشر مدن أمريكية، وتخطط لقطع مليون رحلة مدفوعة الأجر أسبوعياً في 17 مدينة، بما فيها لندن، بحلول نهاية هذا العام.

ويتوقع بنك جيه بي مورغان أن تستحوذ خدمات سيارات الأجرة ذاتية القيادة على أكثر من 7 % من إجمالي سوق خدمات النقل التشاركي في الولايات المتحدة بحلول عام 2030.

وتستهدف أوبر 15 مدينة حول العالم بالتعاون مع عدد من شركات تشغيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة، وتخطط لمنافسة «وايمو» مباشرةً في سان فرانسيسكو بأسطول من المركبات من شركة لوسيد لصناعة السيارات وشركة نيرو لتطوير المركبات ذاتية القيادة. كما وضعت كل من زوكس وتسلا خططاً طموحة للتوسع.

وتُطلق شركات التشغيل الصينية أساطيل من سيارات الأجرة ذاتية القيادة في آسيا، بعد أن بدأت بتقديم خدمات محلية محدودة في مدن مثل بكين وشنغهاي. وفي مارس الماضي، وسّعت شركة «وي رايد» ومقرها قوانغتشو، خدماتها لتشمل سنغافورة.

وتنفق شركات التكنولوجيا والمستثمرون عشرات المليارات من الدولارات على سيارات الأجرة ذاتية القيادة في سباق محموم لنشرها على الطرق العامة والاستحواذ على حصة سوقية كبيرة في سوق خدمات النقل التشاركي. وقد خصصت شركة أوبر وحدها أكثر من 10 مليارات دولار للاستثمار في المركبات ذاتية القيادة.