سايمون موندي
كان من الممكن تبني طرح متفائل قبل أعوام قليلة، عقب إعلان كبرى المصارف العالمية في عام 2021 التزامها بتحقيق صافي انبعاثات صفري، مفاده أنها تحقق تقدماً ملموساً، ولو تدريجياً، نحو هذا الهدف.
وقد أشار التقرير السنوي المعنون «الخدمات المصرفية وفوضى المناخ» إلى تراجع تمويل أكبر 65 مصرفاً في العالم (من حيث الأصول) لمشروعات الوقود الأحفوري بنسبة 15 % في عام 2022، تبعه انخفاض إضافي بنسبة 10 % في عام 2023.
غير أن النسخة الأخيرة من التقرير، التي صدرت منذ أيام، كشفت عن عودة قوية لتمويل هذه المشروعات خلال العام الماضي، إذ سجّلت المصارف زيادة سنوية في التمويل بلغت 22 %، ما يوشك أن يُلغي الانخفاضات المتواضعة التي تحققت في العامين السابقين.
وبلغ إجمالي تمويل المصارف لمشروعات الوقود الأحفوري 869 مليار دولار في 2023، مقترباً بذلك من المستوى المُسجّل في عام 2021 والبالغ 922 مليار دولار.
وقد شمل هذا الارتفاع غالبية المصارف، حيث زاد ثلثا المصارف الـ65 تمويلها لتلك المشروعات خلال العام الماضي. إلا أن النمو كان مدفوعاً، بشكل غير متناسب، بالمصارف الأمريكية الكبرى، التي تجاوز معدل توسعها في التمويل المتوسط العالمي بشكل لافت.
ورفع «جيه بي مورغان»، و«بنك أوف أمريكا»، و«سيتي غروب»، وهم أكبر ممولي مشروعات الوقود الأحفوري عالمياً، تمويل الشركات العاملة في مجال الوقود الأحفوري بمبلغ يبلغ إجماليه 42.6 مليار دولار في العام الماضي، بزيادة سنوية قدرها 42 %. وبالنسبة لمصرف «باركليز»، وهو أكبر مموّل أوروبي إلى حد كبير لمشروعات الوقود الأحفوري، فقد نما معدل التمويل بنسبة أكبر قدرها 55 %.
وفي ردها على هذا التقرير، أعلنت المصارف أن أرقام التمويل لديها تعكس احتياجات المجتمع، وسلّطت الضوء على تمويلها الكثيف لمشروعات التحوّل الأخضر.
فعلى سبيل المثال، أفاد «جيه بي مورغان»، بأنه قدّم تمويلاً بقيمة 1.29 دولار لمشروعات الطاقة منخفضة الكربون مقابل كل دولار أنفقه في دعم المشروعات مرتفعة الانبعاثات الكربونية. لكن يبدو هذا الرقم أقل إثارة للإعجاب عند الوضع في الاعتبار أن النسبة العالمية في العام الماضي كانت 2:1، بحسب ما جاء عن الوكالة الدولية للطاقة.
كما أن كافة أنشطة التمويل تقريباً التي اشتمل عليها التقرير، والذي صدر عن منظمات غير ربحية مثل «شبكة عمل الغابات المطيرة»، جاءت قبل فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر الماضي، وهو الفوز الذي منح مزيداً من الدعم للاستثمار في الوقود الأحفوري هذا العام.
لكن هذه الرهانات على الوقود الأحفوري قد يثبت كونها أكثر خطورة مما يظنه بعض المصرفيين. وقد ذهبت دراسة جديدة أجراها أكاديميون بمركز الخبرة في التحول الاقتصادي في كلية لندن للاقتصاد، إلى إخفاق المصارف في إيلاء ما يكفي من الانتباه لخطر الدعاوى القضائية المرتبطة بالمناخ، والتي شهدت ازدياداً في تواترها على مدى العِقد الماضي.
وفي الشهر الماضي، رفضت محكمة ألمانية دعوى قضائية مرتبطة بالمناخ، رفعها مزارع بيروفي ضد شركة «آر دبليو إي» للطاقة بدعوى عدم كفاية الأدلة على الضرر، وأكدت أن هذه الدعوى ستكون مُبررة إذا ما تقدّم المدعي بمثل هذه الأدلة.
وفي دعوى قضائية أخرى حديثة ضد شركة «شِل» النفطية، قضت محكمة هولندية بأن الشركات التي تصدر عنها انبعاثات كثيفة تتحمل «واجب عناية» لمعالجة التغير المناخي، وأشارت إلى أن الاستثمارات الحالية في الوقود الأحفوري قد تتعارض مع هذا الواجب.
وبعد دراستهم لإفصاحات المصارف، توصل الأكاديميون إلى إدراك المُقرضين مواجهتهم لمخاطر جسيمة بشأن التقاضي المرتبط بالمناخ، لكنهم كانوا يميلون إلى الإفصاح عن تفاصيل مبهمة. ولدى إسهابها في ذكر التفاصيل، كانت المصارف تركّز على نطاق واسع على التهديد الذي يمثله الغسل الأخضر وليس الدعاوى القضائية ضد المصارف أو عملاءها بسبب إنتاج الوقود الأحفوري.
وفي حديث المصارف عن المخاطر، فقد كانت تميل إلى تسليط الضوء عليها باعتبارها «متعلقة بالسمعة» وليست «تشغيلية»، ما ربما يعود إلى أن النوع الأخير من المخاطر يمكن أن يؤدي إلى زيادات في احتياطات رأس المال الإلزامي، وهو ما يلقي بظلاله على الأرباح.
وإجمالاً، لفت الأكاديميون إلى حاجة الجهات الرقابية إلى إيلاء مزيد من الانتباه للمخاطر المكلّفة التي تجابه المصارف، وقد تشكّلها الدعاوى القضائية المتعلقة بالمناح. لذلك، فكلما ظلت محافظ المصارف الاستثمارية في مشروعات الوقود الأحفوري في طور النمو، كلما ازدادت احتمالات مواجهتها للمشكلات.