جون بيرن ميردوخ

صدرت مؤخراً الكثير من السرديات حول تأثير الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، والتي تتمحور في الغالب على أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على أعداد هائلة من الوظائف في اقتصاد المعرفة.

لكن التاريخ يُخبرنا أنه ما إذا كانت التقنيات الجديدة ستؤدي إلى انخفاض أو استقرار أو حتى ارتفاع في معدلات التوظيف، فإن ذلك يعتمد على عدد كبير من العوامل.

كذلك، هناك عدد من الأسئلة التي يتم تجاهلها، منها، على سبيل المثال: هل يوجد طلب مكبوت على منتج أو خدمة ما، بحيث عندما يصبح أرخص وأكثر وفرة، يرتفع الاستهلاك بوتيرة أسرع؟ فقد صاحب الزيادة الكبيرة في إنتاجية البرمجيات منذ التسعينيات، ارتفاع في معدلات التوظيف في مجال تطوير الويب، وليس انخفاضها: إذ فاق الانفجار في الطلب على البرمجيات بكثير، الانخفاض في كمية العمالة المطلوبة لإنتاج كمية معينة من البرمجيات.

وكانت قصة الخدمات المهنية مشابهة، وإن كانت أقل دراماتيكية. فقد ساهمت البرمجيات في زيادة إنتاجية المحاسبين والمهندسين المعماريين ومبدعي الإعلانات، إلا أن الارتفاع الكبير في الطلب على خدماتهم، أدى إلى زيادة فرص العمل أيضاً.

وتُظهر قطاعات الرعاية الصحية المتقدمة تقنياً نمطاً مشابهاً، حيث تُحقق الابتكارات - بما فيها الذكاء الاصطناعي - مكاسب ضخمة في كفاءة الفحوصات المخبرية والتصوير التشخيصي، في حين يستمر التوظيف في هذه التخصصات بالارتفاع، مع استفادة السكان من رعاية صحية أفضل وأكثر شمولاً.

ويُوضح مثال التصوير التشخيصي عاملاً مهماً آخر، أغفله التركيز على قدرة الذكاء الاصطناعي على القيام بذلك: أحد العوامل التي تُسهم في حماية اختصاصيي الأشعة من فقدان وظائفهم، هو أن اللوائح والتأمينات الصحية تحظر التصوير الإشعاعي الآلي بالكامل- على الرغم من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتفوق على المتخصصين البشريين.

ويُقدم هذا المثال طريقة مفيدة للتفكير في كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في المحامين أيضاً.

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي جيمس بيسن، أن الطلب على معظم السلع المصنعة اليوم، تتم تلبيته إلى حد كبير، لذا، فإن مكاسب الإنتاجية في قطاع التصنيع تميل إلى أن تُترجم إلى انخفاض في فرص العمل، بدلاً من ارتفاعها (وتلعب المنافسة التجارية العالمية الحادة دوراً في ذلك أيضاً).

وإذا ما نظرنا إلى قطاعي التجزئة والخدمات اللوجستية، سنلاحظ كيف أن التأثيرات الثانوية للتقنيات الجديدة، قد تُحدث تغييرات جذرية ومتباينة بشكل حاد على قطاعات ووظائف محددة.

فالطفرة الرقمية نفسها التي عززت أعداد العاملين في مجال المعرفة، أدت إلى تراجع فرص العمل في قطاع التجزئة، ليس لأن الروبوتات حلت محل مساعدي المتاجر، بل لأن الإنترنت والهواتف المحمولة، نقلت التجارة من المتاجر التقليدية إلى المواقع الإلكترونية.

لكن هذا عزز في الوقت نفسه فرص العمل في الخدمات اللوجستية والتخزين، إذ إن ازدياد التجارة الإلكترونية، يعني ازدياد الحاجة إلى التخزين والتوزيع والتوصيل خارج المواقع.

كما توجد أمثلة كثيرة على أن التقنية تُحدث تأثيرات متباينة في وظائف مختلفة ضمن القطاع نفسه. ولنأخذ، على سبيل المثال، جداول البيانات الإلكترونية، التي انتشرت في ثمانينيات القرن الماضي، وكان لها أثر كارثي في موظفي مسك الدفاتر، في حين أنها زادت بشكل كبير من أعداد المحاسبين ومحللي البيانات والمالية.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي - على الأقل على المدى المتوسط - مجرد تقنية أخرى تُعزز دور العاملين في مجال المعرفة، من خلال تمكينهم من أتمتة الأعمال التي كان يقوم بها زملاؤهم ذوو الأجور المنخفضة، فإن الاعتقاد السائد بأنه يُشكل تهديداً أكبر لأصحاب الأجور الأعلى، قد يكون خاطئاً.

وتأتي بعض الأمثلة الأكثر وضوحاً على تأثر الوظائف بفعل التكنولوجيا بطرق غير متوقعة.

وفي هذا السياق، يشير الكاتب الاقتصادي ديفيد أوكس، إلى أنه بينما نجا موظفو البنوك إلى حد كبير من انتشار أجهزة الصراف الآلي، فقد تلقوا ضربة قاضية من الهواتف الذكية: إذ ألغت الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول الحاجة إلى الزيارات الشخصية للفروع، ما أدى إلى ظهور مجتمع غير نقدي.

وبالمثل، لم يتوقع الكثيرون تأثير الإنترنت في نموذج أعمال الصحف، من خلال ازدهار الإعلانات عبر الإنترنت، ودور محركات البحث.

وهكذا، يمكن أن يشكل سؤال «هل يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بهذه المهمة؟»، نقطة انطلاق مفيدة للتفكير في كيفية تأثيره في التوظيف، ولكنه يبقى مجرد إشارة غامضة لا تُمثل سوى جزء واحد من صورة كبيرة ومعقدة.