يُبشر الذكاء الاصطناعي بتعزيز الإنتاجية، لكن تأثيره على التضخم لا يزال غامضاً.

ومع ذلك لم يمنع هذا الأمر المتفائلين بالتكنولوجيا وتأثيراتها في وادي السيليكون وول ستريت من مطالبة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بدمج إمكانات الذكاء الاصطناعي في خفض التكاليف ضمن سياسته النقدية. 

وصرح رئيس وحدة إدارة الأصول في شركة «نورثرن ترست» لصحيفة فايننشال تايمز هذا الأسبوع، بأن هذه التقنية ستكون «مُخفضة للتضخم بشكل كبير»، وأن على البنك المركزي «الثبات» في قرارات أسعار الفائدة.

كما يرى كيفن وارش، المرشح لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بأن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف ضغوط الأسعار، وهو ما يمكن أن يساعد على خفض أسعار الفائدة الذي يرغب فيه الرئيس الأمريكي بشدة.

من الناحية النظرية، هذه وجهة نظر منطقية، فالذكاء الاصطناعي قادر على أتمتة المهام الإدارية، وإنتاج المحتوى في ثوانٍ، وتحليل بيانات الشركات. وهذا بدوره يمكن أن يعزز إنتاجية العاملين، ويرفع العرض، ويخفض أسعار المنتجات والخدمات.

كما يمكن أن يساعد الشركات على توفير تكاليف العمالة، لكن من المهم أن نتذكر أن التغييرات في سياسة أسعار الفائدة التي يجريها مجلس الاحتياطي الفيدرالي لا تصل إلى الأسر والشركات إلا بعد فترة طويلة.

ومن المنطقي أن ينظر محافظو البنوك المركزية في التأثير المتوقع للنماذج اللغوية الكبيرة على مكاسب الكفاءة والأسعار على مستوى الاقتصاد ككل. لكن عملياً، يُعد إجراء تعديلات فعلية على السياسة النقدية اليوم بناءً على وعود الذكاء الاصطناعي ضرباً من ضروب التخمين.

فالنماذج اللغوية الكبيرة لا تزال قيد التطوير، واستخدام هذه التقنية في الأعمال التجارية ليس واسع الانتشار بعد، إذ لم تعتمدها سوى أقل من خُمس الشركات الأمريكية بنهاية عام 2025، وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء.

وسيستغرق الأمر مزيداً من الوقت قبل أن تتمكن مجالس الإدارة من تحسين استخدام هذه التقنية في مؤسساتها.

ورغم أن بعض الشركات عزت الاستغناء عن بعض الموظفين إلى الأتمتة، فقد وجدت دراسة عالمية حديثة أن أكثر من 80 % من كبار المديرين التنفيذيين لم يبلغوا عن أي تأثير للذكاء الاصطناعي على توظيف أو إنتاجية شركاتهم حتى الآن.

ومع مرور الوقت، من المتوقع أن تتضح مكاسب الكفاءة في مختلف القطاعات. لكن تأثيرها على الأسعار سيعتمد على سرعة تبني هذه التقنية، وعلى انعكاسات الكفاءة الناتجة عن ذلك على المستهلكين.

وبافتراض وجود زيادة في الإنتاجية ترفع الدخول، وأن العديد ممن فقدوا وظائفهم بسبب التكنولوجيا سيجدون أدواراً في قطاعات ومهن جديدة - كما حدث مع اختراعات سابقة - فإن الطلب وضغوط الأسعار قد ترتفع على المدى الطويل.

وكما خلصت إليه دراسة أجراها بنك التسويات الدولية، فإن التأثير الإجمالي للذكاء الاصطناعي على التضخم يعتمد على الحجم النسبي لهذه الزيادات المحتملة في العرض والطلب، لكن في هذه الأثناء، ستسهم استثمارات البنية التحتية والأمن السيبراني اللازمة لدعم تبني الذكاء الاصطناعي في رفع معدل التضخم.

كما أن الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات - والذي من المتوقع أن يصل إلى حوالي 700 مليار دولار هذا العام لدى ما يُسمى بمراكز البيانات العملاقة - وأسعار أسهم شركات التكنولوجيا المرتفعة يدعمان الطلب الأمريكي.

وقد تُشكل متطلبات الطاقة اللازمة لتدريب النماذج والاستدلال ضغطاً على أسعار الطاقة أيضاً.

وحتى لو ثبت مع مرور الوقت أن الذكاء الاصطناعي يُسبب انكماشاً، فهناك ديناميكيات تضخمية أخرى يتعين على محافظي البنوك المركزية أخذها في الاعتبار.

ومن المهم أن نتساءل: هل ستجعل الاضطرابات الجيوسياسية المستمرة صدمات العرض أمراً معتاداً؟ وهل سيؤدي الإنفاق على كبار السن والدفاع إلى تعزيز الطلب؟

ما يعنيه ذلك كله بالنسبة لـ«سعر الفائدة المحايد» - الذي لا تكون السياسة النقدية عنده توسعية ولا انكماشية - يبقى أمراً غير واضح. ومع ثبات العوامل الأخرى، قد يؤدي ازدهار النمو المدفوع بالتكنولوجيا إلى رفع هذا السعر.

وينبغي على محافظي البنوك المركزية مراقبة كيفية تبني الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الإنتاجية عن كثب، وهو ما أكد عليه وارش في جلسة الاستماع أمام لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ الأمريكي.

عموماً، فإنه بينما يُتوقع أن تُحدث نماذج التعلم الآلي تحولاً جذرياً، يبقى تأثيرها الإجمالي على الأسعار غير مؤكد بما يكفي لاتخاذ قرارات واثقة بشأن أسعار الفائدة اليوم.