كلير جونز - أميليا بولارد

استعد مرشح دونالد ترامب لإدارة أهم بنك مركزي في العالم، لبدء جلسات الاستماع التي تشرع فيها لجنة الشؤون المصرفية القوية في مجلس الشيوخ، اعتباراً من اليوم قبل تثبيت كيفن وارش رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. 

ولا يقتصر الأمر على إدارة أكبر اقتصاد في العالم فحسب، بل يشمل أيضاً قرارات قد تدفع دولاً أخرى إلى خفض قيمة عملاتها أو تُخرجها من أزماتها المالية، وبينما استعد الرجل البالغ من العمر 56 عاماً لأيام عصيبة في مبنى الكابيتول، تلوح في الأفق ثلاثة أسئلة مهمة:

-ماذا يريد وارش أن يفعل في البنك المركزي؟

-هل سيحذو حذو وارش رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي، جيروم باول، ويجد نفسه في مواجهة مباشرة مع ترامب، ويترك الاقتصاد الأمريكي في مرمى النيران؟

-وهل سيصوت مجلس الشيوخ بكامل أعضائه في نهاية المطاف لصالحه؟

وتكشف سلسلة من المقابلات مع أشخاص مقرّبين من وارش، بالإضافة إلى شخصيات أخرى بارزة من واشنطن ووول ستريت، عن صورة رجل انتظر سنوات طويلة ليحظى بهذه الفرصة، ويخطط لتغييرات جذرية في مجالاتٍ عديدة، بدءاً من سياسة التواصل وصولاً إلى تقليص أصول الاحتياطي الفيدرالي.

لكن ثمة تحدياتٌ أكثر إلحاحاً، فمع إصرار ترامب على خفض أسعار الفائدة رغم الضغوط التضخمية الناجمة عن حرب الشرق الأوسط، فإن استرضاء الرئيس الأمريكي قد يُشعل شرخاً مع أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأحد عشر الآخرين المسؤولين عن تحديد أسعار الفائدة، ويُقوّض مصداقية البنك المركزي بشدة بعد خمس سنوات من التضخم الذي تجاوز الهدف المحدد.

وفي المقابل، فإن تحدّي البيت الأبيض يُنذر بوضع وارش في مواجهةٍ مباشرة مع الرئيس، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر.

يقول دون كون، نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق الذي عمل مع وارش خلال الأزمة المالية ويعمل حالياً في مركز بروكينغز للأبحاث: منطقياً، سيمنح ترامب وارش بعض المساحة، وسيفكر هذا الرجل صرّح بأنه يؤيد خفض أسعار الفائدة تدريجياً، وسأمنحه بعض الوقت قبل مهاجمته، لكن المنطق لا يسود دائماً في عالم «تروث سوشال».

لكن من هو وارش؟ وماذا يريد؟ إن وارش، الذي خسر أمام باول قبل ثماني سنوات، لطالما تمنى تولي أعلى منصب في مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وقد أصبح السياسي الجمهوري المخضرم، الذي وصف نفسه بأنه «محظوظ» لكونه تلميذاً لعالم النقد البارز ميلتون فريدمان خلال دراسته الجامعية في جامعة ستانفورد، أصغر محافظ في تاريخ الاحتياطي الفيدرالي عام 2006، وبرز نجمه في أحلك الظروف - الأزمة المالية العالمية.

بعد أن عمل سابقاً في مورغان ستانلي وفي البيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش، أصبح وسيطاً بين رئيس الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي وول ستريت ومشرعي الكونغرس. كما كان من دعاة خفض التضخم، حيث أعرب عن مخاوفه بشأن ضغوط الأسعار قبل أيام فقط من انهيار بنك ليمان براذرز عام 2008.

في المقابل، يعد وارش أكثر ميلاً إلى التيسير النقدي خلال ولاية ترامب الحالية، حيث وصف باول بأنه «أحمق» و«معتوه» لعدم خفضه تكاليف الاقتراض. واستعان وارش بأفكار رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق آلان غرينسبان ليجادل بأن طفرة الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي ستمهد الطريق لخفض حاد في أسعار الفائدة، وهي فكرة رفضها أعضاء آخرون في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة.

ولا يعد هذا هو المصدر الوحيد المحتمل للتوتر مع زملائه بالمجلس. فقد أمضى معظم السنوات الخمس عشرة التي تلت استقالته من مجلس محافظي البنك المركزي ينتقد المؤسسة. ويُعدّ جوهر شكاوى وارش بشأن الاحتياطي الفيدرالي هو سياسة المؤسسة في التواصل، حيث يُفضّل نهجاً أكثر تركيزاً على الإيجاز.

وهو يكره ما يُسمى بـ«مخططات النقاط»، وهي الرسوم البيانية التي تُصدر أربع مرات سنوياً، والتي تُزوّد الأسواق بتوقعات مجهولة المصدر من 19 مسؤولاً في الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة. ويرغب وارش أيضاً في الحدّ من عدد الخطابات والمقابلات التي يُجريها مسؤولو المجلس. ويعتقد أن هذا الظهور الإعلامي لا يُحدث ضجيجاً فحسب، بل يُعزز أيضاً - بشكل غير مُفيد - وجهة نظر المستثمرين بأن البنك المركزي هو الفاعل الذي لا غنى عنه لحل المشاكل الاقتصادية وتهدئة اضطرابات السوق.

ويرغب وارش إلى جانب ذلك في إصلاح نهج الاحتياطي الفيدرالي في جمع البيانات ليشمل المزيد من المعلومات الآنية. وهو يختلف مع مسؤولي البنك المركزي حول أسباب ارتفاع التضخم في بداية هذا العقد، والذي يُرجعه البنك إلى جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.

يعتقد وارش أن هذا التحليل يعكس قلة فضول بعض المطلعين، وكثير منهم من ذوي الخبرة الطويلة الذين يرى أنهم متشبثون بآرائهم.

وبدلاً من ذلك، يرى أن قرار البنك المركزي بشراء سندات حكومية بمليارات الدولارات سببٌ رئيسي لارتفاع الأسعار بهذا الشكل.

ويعتقد وارش أن التحليل المعمق للقضايا قد يستفيد من «مناقشات ودية» داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وهذا يُحاكي تجربته في عهد بيرنانكي.

لكن لكي يترك بصمته على السياسة النقدية في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية التي اعتمدت في عهد باول على التوافق إلى حد كبير، سيتعين عليه كسب تأييد زملائه. يقول جيف لاكر، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند: «إنه ذكي ومفكر، لكن نجاحه في منصبه الجديد سيعتمد على قدرته على التواصل البنّاء مع أعضاء مجلس الإدارة وزملائه في اللجنة بشأن كيفية تطويره للاحتياطي الفيدرالي».

ويرغب وارش أيضاً في خفض ميزانية المؤسسة البالغة 6.7 تريليونات دولار، والتي تضخمت بسبب عمليات شراء السندات الضخمة لتحفيز الاقتصاد خلال الأزمة المالية وجائحة «كوفيد 19». وهو يرى بأن تقليص الميزانية العمومية سيُتيح للاحتياطي الفيدرالي مجالاً لخفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل.

ويقول جوزيف غانيون، المسؤول السابق في الاحتياطي الفيدرالي والذي يعمل حالياً في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: «يقول وارش إنه أخبر دونالد ترامب أنه يرى سبيلاً لخفض أسعار الفائدة بشكل كبير بفضل سياسة الميزانية العمومية، لكنني أظن أنه لم يخبر دونالد ترامب بأن هذا قد يعني في الواقع ارتفاع أسعار الفائدة على الرهن العقاري، لا انخفاضها».

لكن هل هناك إمكانية للصدام بين وارش وترامب؟ لم يكن وارش بالضرورة الخيار الأول للرئيس الأمريكي هذا العام لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي. ولفترة طويلة، ألمح ترامب لأعضاء دائرته المقربة إلى أن مرشحه المفضل هو كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، وهو حليف مقرب.

لكن ترشيح هاسيت أثار ردود فعل غاضبة في وول ستريت بسبب ولائه لترامب في قضايا عديدة تتراوح بين الرسوم الجمركية وإقالة رئيس مكتب إحصاءات العمل. وقد أُجهض هذا الترشيح في نهاية المطاف بتحقيق جنائي أطلقته جانين بيرو، المدعية العامة الأمريكية في واشنطن العاصمة.

وارش ليس غريباً على ترامب، فهو على اتصال مباشر بالرئيس، كما تربطهما علاقات عائلية، فالمرشح هو صهر رونالد لودر، الملياردير والداعم السخي للحزب الجمهوري وصديق ترامب منذ أيام الدراسة.

من ناحية أخرى، فإن المشكلة الأكثر إلحاحاً أمام وارش، بافتراض حصوله على موافقة مجلس الشيوخ، فهي أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ستؤثر على خياراته حتى في خفض طفيف لأسعار الفائدة، وهو ما قد يرضي الرئيس، ولو جزئياً.

ومع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير من مستوياتها قبل الحرب، تعتقد الأسواق أن خفض سعر الفائدة في اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في يونيو - والذي سيكون أول خفض لوارش إذا تولى المنصب خلفاً لباول في منتصف مايو - أمر مستبعد.

وتشير تداولات العقود الآجلة إلى توقعات باحتمالية أقل من 50% لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة هذا العام، وهو ما لا يتماشى مع السياسة النقدية التي يسعى إليها ترامب الذي دعا مراراً وتكراراً عبر «تروث سوشال» إلى خفض سعر الفائدة «بشكل كبير وفوراً».

لكن هل هناك عوائق قد تحول دون حصول وارش على المنصب؟ إن وارش بدعم واسع من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، لا سيما بين الاقتصاديين الأكاديميين وكبار المسؤولين السابقين.

وخلال فترة عمله في الاحتياطي الفيدرالي، عمل أوستن غولزبي، الرئيس الحالي لبنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، معه في البيت الأبيض في عهد أوباما.

لكن وارش لا يزال يجهل متى - أو حتى ما إذا كان - سيصوت مجلس الشيوخ بكامل هيئته على تثبيته. فقد قال توم تيليس، السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية والعضو في لجنة الشؤون المصرفية، إنه سيمنع طرح ترشيح وارش للتصويت الرسمي في مجلس الشيوخ حتى يتم إسقاط التحقيق الجنائي مع باول.

وقد يفتح ذلك الباب أمام احتمال بقاء رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الحالي في منصبه حتى بعد انتهاء ولايته في 15 مايو، لكن الرئيس الأمريكي لن يرحب بالمرة بمثل هذه النتيجة. وقد صرّح ترامب يوم الأربعاء الماضي بأنه سيقيل باول إذا لم يغادر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي منصبه «في الوقت المحدد».

بدون دعم 51 عضواً جمهورياً على الأقل من أصل 53 في مجلس الشيوخ، من المرجح أن تفشل محاولة وارش لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مجلس شيوخ يتسم باستقطاب حزبي حاد.

لذلك، بمجرد انتهاء التحقيق مع باول، يعتقد الكثيرون في الإدارة وفي الكونغرس - وفي أسواق التنبؤات السياسية - أن مجلس الشيوخ الجمهوري لن يحرم وارش في نهاية المطاف من المنصب الذي طالما رغب فيه.