أوين ووكر

سجلت بورصة سنغافورة العام الماضي أقوى أداء لها منذ عام 2009، إلا أن نجاحها في جذب تدفقات المستثمرين لم يُظهر حتى الآن سوى مؤشرات متواضعة على وقف الإخفاق المتواصل منذ عقود في اجتذاب إدراجات الشركات الجديدة. 

وارتفع مؤشر «ستريتس تايمز» لأكبر 30 شركة مدرجة في بورصة سنغافورة (SGX) بنسبة 23 % بنهاية عام 2025، وتجاوز حاجز 5000 نقطة لأول مرة في فبراير الماضي، بالتزامن مع وعد رئيس الوزراء لورانس وونغ بتقديم حوافز لدعم سوق الأسهم.

وجاء هذا التعهد في أعقاب سلسلة من المبادرات الأخرى التي اتخذتها بورصة سنغافورة وهيئة النقد السنغافورية والحكومة لتحسين العدد الضئيل للاكتتابات العامة الأولية، والذي يُعزى إلى انخفاض أحجام التداول وصغر قاعدة المستثمرين. وكان هناك مؤشرات على أن هذه الجهود بدأت تؤتي بعض الثمار، حيث ارتفع عدد الاكتتابات العامة الأولية من 6 اكتتابات في عام 2024 إلى 16 اكتتاباً في العام الماضي، إلا أن هذا الرقم يبدو ضئيلاً مقارنةً بهونغ كونغ، المنافسة الإقليمية، التي شهدت 119 اكتتاباً في عام 2025.

في الوقت نفسه، ولا تزال بورصة سنغافورة تعاني من عمليات شطب واندماج أكثر من الاكتتابات العامة الأولية، حيث تستحوذ شركات الأسهم الخاصة على الشركات العامة، وتتحول الشركات الصغيرة إلى شركات خاصة. وقد انخفض عدد الشركات المدرجة إلى أدنى مستوى له في 20 عاماً، مسجلاً 605 شركات في أكتوبر.

ولذلك، لجأت بعض أبرز الشركات السنغافورية إلى إدراج أسهمها في الخارج خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث تتوفر رؤوس أموال أكبر. وعلى سبيل المثال، طرح تطبيق «جراب» - الذي بدأ في ماليزيا، لكن مقره الرئيسي في سنغافورة - أسهمه للاكتتاب العام في بورصة ناسداك من خلال أكبر عملية اندماج واستحواذ ذات غرض خاص في الولايات المتحدة حتى الآن في عام 2021. كما تعتزم مجموعة «جي إل بي» الاستثمارية، التي شُطبت أسهمها من بورصة سنغافورة في عام 2018 في صفقة استحواذ من قبل شركة أسهم خاصة، إعادة الإدراج في بورصة هونغ كونغ هذا العام.

وبينما تواصل تعثر سنغافورة في مجال الاكتتابات العامة الأولية، ازدهرت هونغ كونغ بفضل شركات من البر الرئيسي الصيني. وكانت ثاني أكثر وجهات الاكتتابات نشاطاً من حيث القيمة العام الماضي، بعد الولايات المتحدة فقط. ويقول جايدن فانتاراكيس، رئيس قسم أبحاث رابطة دول جنوب شرق آسيا في ماكواري كابيتال: «سيكون تحسين سيولة سوق الأسهم بالغ الأهمية لتحقيق مضاعفات أعلى وإدراجات أكثر مع مرور الوقت».

وإدراكاً منها لضرورة تكثيف الجهود لتعزيز الإدراجات، شكلت هيئة النقد السنغافورية (MAS) فريق مراجعة قبل عامين لتقييم الإجراءات الممكنة، وخلص الفريق إلى ضرورة تحسين العرض والطلب من خلال استقطاب شريحة أوسع من المستثمرين وجذب المزيد من الشركات للإدراج. ونتيجة لذلك، التزمت هيئة النقد السنغافورية بضخ 5 مليارات دولار سنغافوري (3.9 مليارات دولار أمريكي) في صناديق تستثمر في الشركات المحلية، ولا سيما الصغيرة منها، لتشجيع الاستثمار وزيادة السيولة. وقد تم مؤخراً إضافة 1.5 مليار دولار سنغافوري أخرى من ميزانية الدولة.

وكانت شركة فولرتون لإدارة الصناديق من بين أول تسع مجموعات استثمارية تلقت دفعة من رأس مال هيئة النقد السنغافورية، وأطلقت صندوقاً للأسهم السنغافورية في أكتوبر. ويشكل القطاع المالي ما يقارب نصف استثمارات الصندوق، وتسيطر عليه أكبر ثلاثة بنوك في سنغافورة: «دي بي إس» و«أو سي بي سي» و«يو أو بي، لكن مدير المحافظ، شون أنغ، يؤكد أن الاستراتيجية لا تقتصر على الشركات الكبرى التي تدفع أرباحاً للمساهمين، بل تشمل أسهماً من شأنها أن «ترفع العوائد وعائد حقوق الملكية. ويضيف: بدأ النظام البيئي برمته يتجه نحو الشركات التي تسعى لمكافأة المساهمين». كما تقدم سنغافورة حوافز لتشجيع المزيد من الشركات على الإدراج، مثل تبسيط عملية الاكتتاب العام الأولي وإبرام اتفاقية إدراج مزدوج مع بورصة ناسداك، ما يتيح للشركات طرح أسهمها للاكتتاب في كلتا البورصتين في آن واحد.

وقد بدأت هذه الإجراءات تحدث بعض التأثير، حيث شهد العام الماضي 16 عملية إدراج، وهو أعلى رقم منذ ست سنوات، بقيمة إجمالية بلغت 2.5 مليار دولار. وفي ديسمبر، جمعت شركة التكنولوجيا الطبية «ألترا غرين» 400 مليون دولار أمريكي في أكبر اكتتاب عام أولي لصندوق استثمار غير عقاري في بورصة سنغافورة منذ عام 2017. وهذا النوع من الشركات المبتكرة سريعة النمو هو ما صُممت هذه المبادرات لجذبه. ويقول نغ ياو لونغ، رئيس قسم الأسهم في بورصة سنغافورة: «نشهد المزيد من الاكتتابات العامة الأولية، بما في ذلك صناديق الاستثمار العقاري الكبيرة، لكننا نطمح إلى رؤية المزيد من الشركات ذات النمو المرتفع، حتى يكتسب السوق مع مرور الوقت عمقاً وتنوعاً».

وتشير الدلائل إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر اهتماماً بالشركات المتوسطة والصغيرة، التي لطالما طغت عليها الشركات الكبيرة. وتقول ماكواري إنه قبل عام، كانت 10 % من التداولات اليومية في البورصة تخص شركات خارج أكبر 30 شركة، وقد ارتفعت هذه النسبة منذ ذلك الحين إلى 25 %. ويقول مديرو الصناديق إن حوالي 20 شركة تجري محادثات مع بورصة سنغافورة بشأن طرح أسهمها للاكتتاب العام هذا العام. ويضيف نغ ياو لونغ: «إن الخطاب السائد في سوق الأسهم مهم، لكن يجب أن يدعمه التنفيذ عبر جذب المزيد من الاكتتابات العامة الأولية، ومشاركة أوسع من المستثمرين، وسيولة أكبر في عدد أكبر من الأسهم».