ويليام لانغلي - أوين ووكر - تشنغ لينغ
الخبراء يشككون في مدى فعالية سعي هاينان لجذب الشركات الأجنبية في ظل تراجع اهتمام المستثمرين بالصين
تخوض جزيرة صينية استوائية غمار تجربة يقال إنها الأضخم في مجال التجارة الحرة منذ أن أنشأت بكين أولى مناطقها الاقتصادية الخاصة في ثمانينيات القرن الماضي.
وتراهن هاينان، الجزيرة التي تُحيط بها أشجار النخيل وتُقارب مساحتها مساحة بلجيكا، والتي لطالما كانت وجهةً سياحيةً محليةً، على أن خفض الضرائب وتخفيف قيود الاستثمار سيُسهم في تحويلها إلى أكبر ميناء للتجارة الحرة في العالم.
وبعد سنوات من العمل التأسيسي، تم فصل النظام الجمركي في هاينان عن النظام الجمركي في البر الرئيسي للصين في ديسمبر الماضي، في خطوةٍ أشاد بها الرئيس الصيني شي جين بينغ كدليلٍ على تواصل زخم الإصلاحات في البلاد وجهودها المتواصلة لفتح أسواقها أمام الشركات الأجنبية. وقال شي إن «هذا المشروع الرائد يُمثل بوابة رئيسية تدفع عجلة انفتاح البلاد».
ومنذ عام 2013، أطلقت الصين عشرات المناطق التجارية الحرة في جميع أنحاء البلاد. وتستند هذه المشاريع إلى القواعد التي قامت على أساسها المناطق الاقتصادية الخاصة التي أُنشئت في أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، جاذبةً المستثمرين بحوافز ضريبية وغيرها من الحوافز المالية، فضلاً عن قواعد أكثر مرونة للاستثمار والتجارة.
يتميز مشروع هاينان بحجمه الهائل، إذ تغطي المبادرة الجزيرة بأكملها، ويأمل المسؤولون أن يُعزز اقتصاد الجزيرة الذي عانى لعقود من تقلبات سوق العقارات وبسبب تحقيقات مكافحة الفساد التي طالت مسؤولين كباراً.
لكن عدداً كبيراً من الخبراء يشككون في مدى فعالية هذه المشاريع في جذب الشركات الأجنبية، لا سيما مع تراجع اهتمام المستثمرين الأجانب بالاستثمار في الصين، وما إذا كانت تُتيح بالفعل وصولاً أفضل بكثير إلى أسواق البلاد الواسعة. ويقولون إن موقع هاينان النائي نسبياً وسوقها الداخلية المحدودة سيزيدان من حدة التحدي.
بعد إغلاق الجمارك في ديسمبر، ألغت هاينان ضرائب الاستيراد على معظم السلع. وبموجب السياسة الجمركية الجديدة، يُمكن إعادة تصدير السلع التي تخضع لمعالجة تُضيف قيمة بنسبة 30 % إلى البر الرئيسي للصين معفاة من الرسوم الجمركية، وهو ما يأمل المسؤولون أن يُعزز الصناعة المحلية.
وألغت هاينان ضرائب الاستيراد على معظم السلع. كما وضعت المقاطعة ما تعتبر أخف القيود في الصين على الاستثمار الأجنبي، حيث حددت سقفاً بنسبة 15 % على ضريبة دخل الشركات والأفراد لبعض الشركات والأفراد، إضافة إلى مجموعة من السياسات التي تسمح لها بتقديم كل شيء بدءاً من الأدوية التي لم تُعتمد بعد في البر الرئيسي وصولاً إلى تسهيل الوصول إلى الإنترنت في مناطق مُعتمدة مسبقاً.
وقال جيانغ هونغ، نائب مدير وكالة التخطيط الاقتصادي بالمقاطعة، في مؤتمر صحفي عُقد في فبراير: «على الرغم من أن قاعدتنا الصناعية ليست كبيرة بما يكفي بعد إلا أننا نسعى بقوة لاستغلال هذه الفرص لجذب الكثير من الشركات المحلية والأجنبية».
ويقول المسؤولون إنه خلال الأسابيع الستة الأولى من تطبيق السياسة الجمركية الجديدة، تم توفير 129 مليون يوان صيني من الرسوم الجمركية بقيمة 857 مليون يوان صيني (124 مليون دولار) من البضائع، في حين تم تسجيل 5700 شركة تجارة أجنبية في المقاطعة.
وقال كاو يوهوا، نائب المدير العام لشركة أوسكا الدولية للزيوت والحبوب: «بفضل ميناء التجارة الحرة الذي نتخذه نقطة انطلاق، تصدر منتجاتنا بسرعة إلى أكثر من اثنتي عشرة دولة ومنطقة، ولا يزال هذا العدد في ازدياد». وأضاف أن هذه السياسة ساعدت الشركة على شراء المواد الخام، مثل فول الصويا البرازيلي، بأسعار أقل. ويُستخدم هذا الفول لاحقاً في صناعة زيوت الطهي في مصنع بجزيرة هاينان.
لكن كاو أشار إلى أن الأثر الأكبر الذي أحدثه إلغاء الجمارك هو تسهيل صادرات الشركة، وليس مبيعاتها إلى البر الرئيسي. وأوضح أن شركة أوسكا تُصدّر الآن نصف إنتاجها من هاينان، بعد أن بدأت البيع في الأسواق الخارجية أواخر العام الماضي فقط. ويحذر البعض من الصعوبة الكبيرة لتوسيع القاعدة الصناعية للجزيرة.
وقالت أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك ناتيكس، إن الصناعات كثيفة رأس المال من غير المرجح أن تنجح نظراً لمحدودية البنية التحتية للموانئ في الجزيرة، وانفصالها عن البر الرئيسي بمسافة 20 ميلاً من المحيط. وأضافت: «لا معنى لذلك.. إنشاء منطقة تجارة حرة معزولة تماماً. لا يوجد أي مبرر منطقي لذلك». ويقول المنتقدون أيضاً إن الأمر سيتطلب إصلاحات أوسع نطاقاً بكثير لجعل هاينان تتماشى مع معايير المراكز التجارية المنافسة القريبة مثل هونغ كونغ وسنغافورة اللتين تتمتعان بعملات قابلة للتحويل بحرية وقضاء مستقل.
ويقول نغيو تشاو بينغ، الخبير في الشؤون الصينية بجامعة مالايا: «إذا نظرنا إلى سياسات الموانئ للتجارة الحرة، نجدها في هاينان الأكثر تقدماً من الناحية القانونية في الصين بأكملها باستثناء هونغ كونغ، لكنها ستبقى تعاني من كونها منطقة هامشية بالنسبة للشعب الصيني نفسه. وسيكون المستثمرون الأجانب أكثر تشككاً بشكل عام».
خلال جولة في الجزيرة نظمتها جمعية الصحفيين لعموم الصين التابعة للحزب الشيوعي، زارت صحيفة فاينانشال تايمز على موقع للسياحة العلاجية، وأكبر مركز تسوق معفى من الرسوم الجمركية في العالم، ومجمع مكاتب حيث يمكن للشركات التقدم بطلبات للوصول إلى مواقع إلكترونية أجنبية محجوبة مثل جوجل. كما زارت ميناء يانغبو، التي تأمل الحكومة بمضاعفة حجم الحاويات السنوي فيه أربع مرات بحلول عام 2035. وأبدى المندوبون الذين حضروا الدورة السنوية للبرلمان الصيني الشهر الماضي، قلقهم إزاء تراجع اهتمام السلطات المركزية. وأشاروا إلى انخفاض التمويل الحكومي المركزي المخصص لهاينان ضمن الميزانية العام الماضي، مطالبين بتجديد الدعم. وفي معرض حديثه عن طلبه لمزيد من الدعم من الحكومة المركزية، قال تساي تشيانغ، رئيس قسم المالية في الجزيرة، للصحفيين: «كما يعلم الجميع، فإن الطائرة تتطلب أكبر قدر من الوقود خلال مرحلة الإقلاع».
