يعلم جيداً أي دارسٍ لعلم الاقتصاد أن النماذج الاقتصادية تعتمد في الغالب على افتراض امتلاك صانعي القرار وواضعي السياسات لمعلومات دقيقة. لكن في الواقع، نادراً ما يتحقق ذلك. فمن الممكن أن تكون البيانات ناقصة، أو أن يمتلك طرف ما معلوماتٍ أكثر تفصيلاً من الآخر، أو حتى أن يتشارك الجميع معلوماتٍ مضللة.
والإحصاءات الوطنية الرسمية، رغم أهميتها لصانعي السياسات والشركات والمستثمرين على حد سواء، قد تكون غير دقيقة في بعض الأحيان. وفي الوقت الحالي، تواجه العديد من الدول صعوبة في تحديد عدد العاملين بدقة.
وأشارت مؤسسة «ذا ريزولوشن فاونديشن» البحثية في الآونة الأخيرة إلى أن مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني ربما يكون قد أسقط حوالي مليون موظف من بيانات الوظائف منذ عام 2019. ويعتقد المركز البحثي أن الهيئة الإحصائية ربما بالغت للغاية في تقدير مدى عدم نشاط الموظفين. وإن صحت هذه الفرضية، فمن شأنها تقويض سردية «العمال غير المسجلين» التي استندت إليها الكثير من التعهدات السياسية من حكومة المملكة المتحدة، وستقوض قرارات أسعار الفائدة التي يتخذها مصرف إنجلترا.
وثمة لغز في الولايات المتحدة أيضاً، فقد ظل خلق الوظائف ثابتاً على مدى العامين المنصرمين، بحسب استطلاعات الأسر. ومع ذلك، تظهر بيانات الوظائف غير الزراعية، التي تستقى من استطلاع يشمل الشركات، نمواً مستمراً للوظائف.
واتسمت البيانات بالتقلب أيضاً، وهي عرضة لإجراء تعديلات ضخمة. وقد أعلنت وزارة العمل خلال شهر أغسطس الماضي أن الاقتصاد الأمريكي خلق وظائف غير زراعية أقل بأكثر من 800.000 وظيفة مقارنة بالمعلن في التقارير في العام المنتهي بمارس الماضي.
وربما يكمن أحد أسباب هذه الحالة من عدم اليقين في أن معدلات الاستجابة لاستبيانات البيانات انخفضت في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على مدى العقد الماضي، وهو الأمر الذي فاقمت منه الجائحة.
كما ألقت الإغلاقات ذات الصلة بالجائحة بظلالها على التوقعات بشأن التعداد السكاني، والهجرة، وبروز الشركات وانهيارها، وهي أمور تساعد الإحصائيين في تجميع بيانات التوظيف من عينات الاستطلاعات. وأدى ذلك إلى تحيزات، وتقديرات غير دقيقة، وبيانات متضاربة من مختلف المصادر.
ويعد حساب أعداد العمال مشكلة بالنسبة للعالم النامي، ويعود ذلك إلى أسباب نظامية. ولطالما كان حساب عدد العاطلين عن العمل في الهند تحدياً، بالنظر إلى عمل عدد هائل من العاملين في القطاع غير الرسمي من الاقتصاد. وبالنسبة للصين، يشكل غموض البيانات مصدراً آخر لعدم اليقين.
وتؤدي البيانات غير الدقيقة للوظائف إلى اتخاذ قرارات خاطئة. وتستند الضرائب، والإنفاق، واختيارات الرفاهة، إلى بيانات التوظيف، وهي محورية بالنسبة لتقييم صانعي السياسة النقدية لمدى قوة النمو الاقتصادي. وتستخدم الشركات بيانات التوظيف في اتخاذ قراراتها بشأن توظيف العمالة ورواتبها.
كما يعتمد المستثمرون على بيانات التوظيف، وتؤثر بيانات الوظائف غير الزراعية الأمريكية على توقعات الأسواق المالية العالمية بشأن أسعار الفائدة. إذن، ما الذي يمكن فعله؟ يتوجب على الحكومات ضمان مواكبة التمويل للحاجة الماسة إلى بيانات أفضل، وأن تصدر في الوقت المناسب، وأن توفر مزيداً من البيانات الدقيقة. وقد أفاد مكتب إحصاءات العمل الأمريكي في يونيو بأن تخفيضات الموازنة تعني أنه سيتعين عليه تقليص حجم العينة في استطلاع الأسر.
في الوقت نفسه، تقتنص شركات التكنولوجيا التي تدفع رواتب مرتفعة خبراء البيانات. لذلك، يتوجب على السلطات بذل جهود أفضل في دفع أجور أفضل للإحصائيين. وتجدر الإشارة أيضاً إلى بطء مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني في مواجهة تراجع معدلات الاستجابة، والتحول نحو الاستطلاعات التي تجرى على الإنترنت.
وبالرغم من الحوافز أو التصميم الأفضل للاستطلاعات، إلا أنه قد يكون من الصعب عكس اتجاه انخفاض معدلات الاستجابة للاستطلاعات. وذهبت بعض الدراسات إلى شعور الناس بالإرهاق من الاستجابة إلى الكثير من الاستبيانات. وعلى أية حال، سيكون من المهم الحصول على بيانات سوق العمل من مصادر أخرى.
ويجب على الهيئات الإحصائية زيادة تعاونها مع القطاع الخاص، بما في ذلك المواقع الإلكترونية للتوظيف مثل «إنديد» و«لينكد إن»، للحصول على إحصاءات في الوقت الفعلي لكي تدعم تقديراتها. كما تحتاج الحكومات إلى مشاركة بيانات إدارية أفضل توقيتاً مع وكالات البيانات. وفي بعض الدول، ساعدت بطاقات الهوية الوطنية، الوكالات، في فهمها لبيانات التعداد السكاني والقوى العاملة بصورة أفضل.
وتحتاج الهيئات الوطنية للإحصاءات إلى بذل مجهود أفضل في حساب بيانات الوظائف. وعلى الرغم من أن الحصول على مزيد من الموارد، ووجود رقابة فعالة، والحصول على المزيد من مصادر أخرى للبيانات لن يفضي إلى بيانات مثالية، إلا أنه سيجعل الهيئات أفضل إدراكاً لمدى العيب الذي يكتنف البيانات.