جيليان تيت

قبل أيام، وبالتزامن مع الحرب التي اشتعلت في منطقة الشرق الأوسط، عقد سكوت بيسنت وزير الخزانة الأمريكي، اجتماعات خاصة مع كبار ممولي «وول ستريت».

وقيل إنه كان لديه رسالة أساسية أراد إيصالها: لا تبيعوا الأصول، لأن الأسواق ستتعافى قريباً من الركود، تماماً كما حدث قبل عام بعد ما يُسمى بصدمة التعريفات الجمركية في «يوم التحرير».

فهل كان بيسنت محقاً؟ نعم، بالنظر إلى الارتفاع المذهل الذي شهدته الأسواق يوم الأربعاء. وبينما يحلل المستثمرون الأحداث الأخيرة المربكة، فإن الدرس الأول الذي يجب ملاحظته هو أن «نظرية التاكو»، أو التراجع المستمر لا تزال قائمة، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يزال يتراجع دائماً ويغير سياسته إذا كان هناك رد فعل سلبي من السوق أو من السياسيين.

ذلك لأن ترامب ينظر إلى أسعار الأسهم على أنها مقياس رئيسي، إن لم يكن المقياس الأول لنجاحه أكثر من أي رئيس سبقه. أما سكوت بيسنت، فهو مهووس من جانبه وبالقدر نفسه بعوائد السندات.

وتقدم الأحداث الأخيرة درسين آخرين مهمين؛ أولهما أن النظام المالي أظهر أخيراً مرونة على المدى المتوسط تفوق ما كان متوقعاً، ويعود ذلك جزئياً إلى الاختبارات المكثفة التي خضع لها أخيراً.

ولنتأمل هذا الأمر: لقد تراجعت أسعار الأصول مراراً وتكراراً بعد صدمات مثل جائحة «كوفيد 19»، واندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتلك الرسوم الجمركية، لكنها في كل مرة تعافت دون انهيار شامل. وقد يتغير هذا الوضع مع ازدهار التمويل غير المصرفي، لكنه يدعم حالياً استراتيجية «الشراء عند انخفاض أسعار الأسهم».

درس آخر هو أنه في حين أن تصرفات ترامب المتقلبة قد زادت من المشاعر المعادية تجاه أمريكا وانعدام الثقة بها في جميع أنحاء العالم، فلا يزال غير الأمريكيين يلتهمون الأصول الأمريكية.

وقد يتغير هذا أيضاً في نهاية المطاف؛ فالمخاطر طويلة الأجل على هيمنة الدولار تتزايد، لا سيما مع ديون أمريكا التي تقارب 39 تريليون دولار. لكن كلما تصاعدت مشاعر النفور من المخاطرة، يتصرف المستثمرون كما لو أن أسواق رأس المال الأمريكية أكثر سيولة وأماناً من معظم منافسيها. هذا أمر مثير للاستغراب.

وإضافة إلى هذه النقاط الثلاث السابقة، ثمة ثلاثة دروس أخرى للمستثمرين أقل إثارة للاطمئنان؛ أولها فكرة أكدها محللون مثل جيف كوري من مجموعة كارلايل:

الجزيئات مهمة لكن لا يمكن طباعتها، فبينما تُحفّز الخدمات والابتكارات السيبرانية نمو القرن الحادي والعشرين، إلا أنها تستند إلى عمليات كيميائية وفيزيائية غالباً ما تم تجاهلها حتى وقت قريب.

لذا من المشكوك فيه ما إذا كانت الأسواق قد استوعبت بالفعل تبعات صدمات اضطراب سلاسل التوريد، المتأصلة بالفعل من الشهر الماضي من الحرب، ليس فقط في قطاع الطاقة، بل في قطاع البتروكيماويات أيضاً. ومن هنا تأتي مخاوف القادة الأوروبيين من الركود التضخمي.

ثانياً: تُعد نقاط الاختناق أكثر أهمية من ذي قبل، والكثير منها خارج عن سيطرة الغرب. صحيح أن واشنطن تهيمن على المراكز المالية العالمية، عبر الدولار، لكنها لا تسيطر على مضيق هرمز، الذي يمثل عنق الزجاجة في شحن الطاقة والكيماويات، ولا حتى نقاط الاختناق الرئيسية المتعلقة بالمعادن الأرضية النادرة وسلاسل إمداد الأدوية، وهو ما اتضح للجميع خلال العام الماضي.

ويجب أخذ هذه المخاطر في الحسبان عند الاستثمار، ويقال إن أحد الأسباب الرئيسية لتراجع إبرام الصفقات الخاصة هو الخوف من عدم أخذ هذه المخاطر في الحسبان.

لكن إحدى المشكلات الكبرى، حسبما صرحت جينا رايموندو، وزيرة التجارة السابقة، أخيراً أمام مجلس العلاقات الخارجية، هي أن المستثمرين لا يكافئون الشركات التي تستثمر في مرونة سلاسل الإمداد، لأن قياس ذلك مسبقاً أمر بالغ الصعوبة.

وبينما يُجري الاقتصاديون باستمرار نماذج للاتجاهات الكلية والجزئية، فإنهم يولون اهتماماً أقل لـ«الاقتصاد المتوسط»، على حد تعبير الخبير الاقتصادي ويليام جينواي، أي العوامل التي تقع بين الاثنين، بما في ذلك شبكات سلاسل الإمداد. وتُظهر الحرب في الشرق الأوسط أن هذا الوضع بحاجة إلى تغيير.

الدرس الأخير هو أن المستثمرين بحاجة إلى تحسين قدرتهم على تصور الكوارث التي كانت تعتبر مستحيلة التصور، وتسعيرها. وهذا أمر صعب، حيث لا يمكنك أن تجد أي كلية إدارة أعمال تعلم طلابها كيفية نمذجة شيء مثل تهديد بإبادة حضارة بأكملها. ومما لا شك فيه أن صحة «نظرية التاكو» أخيراً ستجعل الكثيرين أكثر تردداً في القيام بذلك.

تبقى حقيقة مُرّة، وهي أنه حتى لو صمد اتفاق وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، وهو أمر غير مؤكد، فإن السلام لا يبدو قريباً. ويقول راي داليو، مؤسس صندوق التحوّط «بريدج ووتر»:

«لأن معظم الناس يميلون إلى النظر إلى الأمور من منظور قصير الأجل، فإنهم توقعوا، والأسواق سعرت ذلك، أن الحرب لن تدوم طويلاً، وأننا سنعود إلى الوضع الطبيعي عند انتهائها».

ويستعد البعض لذلك. يُقال إن الممول بيل أكرمان يُطوّر صندوقاً استثمارياً يُعرف باسم «صندوق التفاؤل» لتداول مخاطر نهاية العالم. لكن معظم المستثمرين لا يزالون عاجزين عن استيعاب الحجم الكبير للأزمة. ويقول داليو: «إذا نظرنا إلى الأمر من منظور تاريخي، فقد نكون الآن في مرحلة انتقالية تشبه إلى حد كبير فترتي 1913 - 1914 و1938 - 1939».

لذا يمكن الآن الاحتفال، لكن الحصول على قدر معقول من التأمين ضد الكوارث هو أيضاً رهان حكيم.