تيم برادشو - مادهوميتا مورجيا

تهدد برامج الذكاء الاصطناعي بتحولات عاصفة للعمل المكتبي، إذ تقدم برمجيات أرخص وأسرع قادرة على أداء مهام المحامين والمصرفيين والمحاسبين. ومن الواضح أن الواقع يزداد تعقيداً.

ومنذ بداية العام، أطلقت شركات الذكاء الاصطناعي، مثل أنثروبيك، أدوات مصممة لأتمتة المهام في مختلف المهن، مما أدى إلى إعادة تقييم حادة للأسهم، من الأمن السيبراني إلى الخدمات المالية.

لكن المقابلات مع عشرات الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين والمحللين في مختلف القطاعات تشير إلى أن قطاعات السوق ليست جميعها معرضة للخطر بنفس القدر. ففي القطاعات التي تُعد فيها الدقة والمساءلة والتنظيم أموراً بالغة الأهمية، تبرز الثقة كنقطة حاسمة.

يقول ستيف هاسكر، الرئيس التنفيذي لشركة تومسون رويترز: «تتطلب المهن الائتمانية، مثل القانون والضرائب والتدقيق والامتثال، أكثر من مجرد تسريع العمل المعرفي اليومي.

إن ما يهم في نهاية المطاف هو ما إذا كانت المخرجات موثوقة وقابلة للتتبع وخاضعة للمساءلة وفقاً للمعايير المهنية. وفي بيئات العمل عالية المخاطر، لا تُعد السرعة وحدها عاملاً حاسماً، بل الثقة هي الأساس».

على الرغم من التفاؤل السائد بين بعض قادة الأعمال، إلا أن هناك اتفاقاً واسعاً على ضرورة تطور الشركات في مواجهة منتجات مثل «كلود كوورك» من «أنثروبيك»، وإلا ستواجه خطر الزوال.

وتُعتبر شركات برامج خدمة العملاء، فضلاً عن القطاعات غير الخاضعة للتنظيم أو التي تستخدم البيانات العامة، مثل مُجمّعي البيانات أو شركات المحتوى التسويقي، جميعها مُهددة، فالتكنولوجيا بالغة القوة، حسبما يؤكد فيكتور إنجلسون، الشريك في شركة الاستثمار «إي كيو تي بارتنرز» العاملة في دول الشمال الأوروبي، والمتخصص في استثمارات البرمجيات والتكنولوجيا.

وتفيد أعداد كبيرة من المستثمرين والمديرين التنفيذيين أنهم يضعون خططاً استراتيجية لتنمية رأس المال وإعادة تخصيصه، وذلك بعد أن أطلقت شركة أنثروبيك هذا العام مجموعة من الأدوات التي تُمكّن المهنيين، من المحامين إلى المصرفيين، من دمج قدرات الذكاء الاصطناعي في مهامهم اليومية.

وتُعد هذه المنتجات الجديدة امتداداً لبرنامج «كلاود كود» الخاص بالشركة، والذي يستخدم نماذج لغوية ضخمة لتوليد التعليمات البرمجية. ويستخدم قسم المالية في أنثروبيك برنامج «كوورك» - وهو نسخة من «كلود كود» مُصممة خصيصاً للمهنيين غير التقنيين - استعداداً لطرح أسهم الشركة للاكتتاب العام الأولي في وقت مبكر من هذا العام.

وقالت كاثرين وو، رئيسة قسم المنتجات في «كلود كود» بشركة أنثروبيك: «يستخدم فريقنا المالي هذا البرنامج في العديد من توقعات النمو، ما يُتيح لهم فهماً مستمراً لحجم الطاقة المُستخدمة، وقطاعات العملاء التي تشهد نمواً، والقطاعات التي ينبغي علينا زيادة استثماراتنا فيها».

وتُساعد «إضافات» الذكاء الاصطناعي القابلة للتخصيص في أتمتة البرامج الخاصة بالشركة، ما يسمح للذكاء الاصطناعي بالمساعدة في مراجعة العقود، وفرز طلبات التوظيف، وتصوّر الأفكار، وإجراء التحليلات والنماذج المالية.

عندما أطلقت شركة أنثروبيك هذه الأدوات البرمجية لأول مرة في فبراير، أشعل ذلك شرارة موجة بيع أسهم، أُطلق عليها اسم «كارثة البرمجيات كخدمة». وبعد موجة البيع الأولية، كشفت أنثروبيك عن مجموعة محدثة من الأدوات المصممة للعمل مع العديد من تلك الشركات نفسها، مقدمةً بذلك حلاً سريعاً لانخفاض أسعار أسهمها.

وأطلقت شركة تومسون رويترز أداة «كو كاونسل ليجال»، وهي أداة ذكاء اصطناعي مدعومة بأحدث نموذج من كلود، لأداء مهام معقدة تشمل البحث القانوني وتحليل الوثائق وصياغتها، باستخدام محتواها الخاص.

وقال هستيف هاسكر إن نماذج الذكاء الاصطناعي وحدها ليست مصممة بالضرورة للعمل الائتماني، حيث «يتحمل المحترفون مسؤولية النتائج، وتكون للأخطاء عواقب وخيمة».

وأضاف: «إن الاقتراب من الصواب ليس كافياً، سواء في قاعة المحكمة أو مجلس الإدارة أو التدقيق»، مضيفاً أن ترسيخ الأنظمة في الخبرة المتخصصة سيصبح أمراً بالغ الأهمية في السنوات القادمة.

ويتفق المستثمرون الأفراد المهتمون بالبرمجيات على إمكانية دمج إضافات الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الحالية لتحسين الكفاءة والاستغناء عن بعض الأدوار البشرية. لكنها لا تستطيع أن تحل محل برامج المؤسسات الأساسية المبنية على سنوات من البيانات المتراكمة عبر سلسلة التوريد وعمليات الشركة.

ويقول جان بابتيست برايان، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة الأسهم الخاصة «إتش جي كابيتال»، التي تستثمر بشكل أساسي في شركات البرمجيات:

«لا يمكن لملحقات الذكاء الاصطناعي أن تحل محل البيانات الخاصة، وأنظمة السجلات، والسياق التنظيمي، وتأثيرات الشبكة، والتوزيع.. هذا هو موقفي».

ويرى آخرون أنه حتى لو لم يقضِ الذكاء الاصطناعي تماماً على برامج المؤسسات، فإن تباطؤ النمو أو الانخفاض الطفيف في الإيرادات سيجعل مستثمري وول ستريت عرضة لمخاطر كبيرة. ويقول فيكتور إنجلسون:

«لطالما كانت هناك مشكلة تتعلق بنمو الإيرادات، وقد تفاقمت هذه المشكلة بسبب الذكاء الاصطناعي». ويضيف أنه لإثبات خطأ الأسواق العامة، يجب على شركات البرمجيات أن تُظهر أن العملاء مستعدون للدفع مقابل قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة من خلال زيادة المبيعات وجذب عملاء جدد لإظهار عائد واضح على الاستثمار.

وفي فبراير، أطلقت شركة أنثروبيك نسخة تجريبية من أداة للأمن السيبراني، مما أدى إلى انخفاض حاد في أسعار الأسهم في جميع أنحاء القطاع، وأثر على شركات مثل «بالو ألتو نتوركس»، و«كراود سترايك»، و«أوكتا»، و«سينتينل ون».

وأقر دان شيابا، الخبير المخضرم في مجال الأمن السيبراني ورئيس قسم التكنولوجيا والخدمات في شركة «آركتيك وولف» إن أحدث إصدارات كلود تمثل «نقلة نوعية هائلة» في مجال كفاءة الأمن السيبراني.

وقال شيابا: «إنها لمحة عن المستقبل. إذا كنت تعمل في مجال اكتشاف ثغرات البرمجيات، مثل شركة «سنيك» الناشئة على سبيل المثال، فسيكون ذلك ذا أهمية بالغة لعملك».

وهذا الأسبوع، عرضت أنثروبيك نموذجاً جديداً، يجمل اسم «ميثوس»، والذي قالت إنه اكتشف «آلاف الثغرات الأمنية الخطيرة» في جميع أنظمة التشغيل الرئيسية ومتصفحات الويب.

وقالت شركة أنثروبيك إن قدرات ميثوس قد «تُعيد تشكيل الأمن السيبراني». وهي تعمل مع «كراود سترايك» و«بالو ألتو نتوركس»، إضافة إلى العديد من شركات التكنولوجيا الكبرى، لمعالجة الثغرات الأمنية.

ومع ذلك، يشدد شيابا على أن خبرة الأمن السيبراني أوسع بكثير من مجرد اكتشاف الثغرات في البرمجيات. ويوضح قائلاً: «يُجيد الذكاء الاصطناعي المهام المحددة بدقة، لكنه ليس بارعاً تماماً في الاستدلال الحتمي الشامل حتى الآن.

وبإمكانه تقديم توصية، لكنه ليس متأكداً بما يكفي لاتخاذ إجراء. وهنا يأتي دور البشر»، كما قال. «لقد خاضوا معارك مباشرة مع الخصوم. إنهم يعرفون ذلك، ورأوه من قبل، بشكل بديهي. إننا قطاع لا يُمكننا فيه المخاطرة. أعمال الناس على المحك».

في مجال الخدمات المالية، أطلقت أنثروبيك مجموعة من الإضافات البرمجية التي تُركز على قطاعات فرعية مثل الخدمات المصرفية الاستثمارية، والأسهم الخاصة، وبحوث الأسهم، وإدارة الثروات.

وأعلنت الشركة أن هذا سيمكن الذكاء الاصطناعي من أداء مهام مثل مراجعة مجموعات كبيرة من وثائق المعاملات، وإعداد تحليلات للمنافسين، وتحليل نصوص الأرباح، وتحديث النماذج المالية في الوقت الفعلي من خلال استخراج البيانات المالية ونمذجة السيناريوهات.

ويقول المستثمرون الذين استخدموا هذه الأدوات إن وكلاء الذكاء الاصطناعي مثل «كوورك» بارعون في جمع وتحليل البيانات غير المهيكلة، وإنهم يستخدمونها في مهام مثل أبحاث السوق، والبحث عن الصفقات وفحصها، وحتى صياغة مذكرات استثمارية في المراحل المبكرة.

مع ذلك، يقول برايان من شركة «إتش جي» إن هذه التقنية لا تزال «سيئة للغاية في التقييم»، واصفاً أدوات الذكاء الاصطناعي بأنها «متملقة»، أو توافق بسهولة بالغة على فرضية المستخدم. وأضاف: «لا يمكنها القيام بالاستثمار حالياً».

قال سام جونز، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «كومبير ذا ماركت»، التي تساعد العملاء على مقارنة أسعار التأمين والمنتجات المالية، إن خطر استبدال الذكاء الاصطناعي لشركات مثل شركته «سؤال بالغ الأهمية بالنسبة للقطاع في الوقت الراهن».

لكن جونز قال إن شركات مثل شركته تعمل على بناء بنية تحتية آمنة حول نماذج الذكاء الاصطناعي لضمان دقة مخرجاتها وشفافيتها وقابليتها للتحقق.

كما يتوقع العملاء والجهات التنظيمية. وأضاف: «إن دمج الذكاء الاصطناعي في شركة تأمين، مع أنه ممكن تقنياً، إلا أنه يُؤدي اليوم إلى نتائج كارثية على المستهلكين».

وأكدت كاثرين وو من شركة أنثروبيك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى منصات برمجية قائمة لزيادة كفاءة العمل، لا لاستبدال الجهات الفاعلة التقليدية.

وقالت: «لن نكون الأفضل في مجال التعاون، أو في إدارة جميع صفقات المبيعات، أو جميع التصاميم. ببساطة، لن نمتلك القدرة على تولي كل هذه الوظائف ضمن منصة العمل المشترك. أن نكون تطبيقاً شاملاً يبدو هذا طموحاً للغاية بالنسبة لنا».