روبرت أرمسترونغ

بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، خلصت الأسواق إلى أن الأمور قد تحسنت. وارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 2.5 %، ليقف على بعد نحو 1 % من مستواه عند نشوب الحرب.

من جانبها، لم تعد عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل إلى المستوى المنخفض للغاية الذي بلغته عند اندلاع الأعمال العسكرية، لكنها عادت إلى مستوياتها في فبراير.

أما عوائد السندات قصيرة الأجل فتُظهر صورة مختلفة، حيث لم يشهد سعر الفائدة على السندات لأجل عامين تحركاً كبيراً أول من أمس، مما يشير إلى أن وقف إطلاق النار قد لا يُخفّض توقعات التضخم بالقدر الكافي لمنح الاحتياطي الفيدرالي مجالًا لخفض أسعار الفائدة هذا العام (كما كانت الأسواق تأمل قبل بدء الحرب).

في كل الأحوال، علينا توخي الحذر في تفسير هذه البيانات؛ فمن الغريب أن يشهد سعر الفائدة على السندات لأجل عامين ما لم يشهده سعر الفائدة على السندات لأجل عشر سنوات.

وأظن أن أسعار الفائدة قصيرة الأجل شهدت انخفاضات كبيرة قبل بدء الحرب (لماذا يُقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفضها في ظل انخفاض البطالة وارتفاع التضخم بنسبة مئوية واحدة فوق الهدف؟)، وقد أعادت الحرب المستثمرين إلى الواقع، حيث قرروا البقاء.

بالطبع، الأمر المهم في الحرب من وجهة نظر الأسهم والسندات هو سعر النفط، الذي قد يُؤدي إلى انخفاض النمو وارتفاع التضخم. ورغم انخفاض سعر النفط بشكل حاد، إلا أنه لا يزال أعلى بمقدار الثلث من مستواه قبل الحرب:

وهذا ليس سعراً سهل القراءة أيضاً، حيث يشير خبراء النفط إلى أنه حتى لو توقفت الأعمال العسكرية نهائياً اليوم، فسيستغرق الأمر شهوراً لاستعادة التدفق الطبيعي عبر المضيق (إذ يستغرق تجهيز المعدات والتأمين وتوفير الطواقم وقتاً). لذا، فإن استمرار ارتفاع الأسعار يتوافق عمومًا مع النبرة المتفائلة لأسعار الأسهم والسندات.

ويبدو أن الأسواق تتفق مع رأي كاسيدي أينسورث-غريس من مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، التي كتبت أن إيران أظهرت أنها أكثر استعداداً للتسوية مما توقعته الأسواق.

من جانبنا، ليس لدينا حتى الآن رأي حول مدى استدامة وقف إطلاق النار، لكننا نعتقد أن الأسواق لا تزال يأخذ في الحسبان احتمال حدوث ركود تضخمي مدفوع بأسعار النفط، حتى وإن تضاءل هذا الاحتمال بشكل ملحوظ أول من أمس. ومع ذلك، يصعب إيجاد مؤشرات واضحة على ذلك.

من ناحية أخرى، فإن طهران لن تتمكن من تجاوز نظام العقوبات بمجرد تحولها إلى استخدام «البيتكوين» في تحصيل قيم صادراتها.

ففي حين صرح المتحدث باسم اتحاد مصدري النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية الإيراني، أن بلاده ستسعى لتحصيل رسوم مرور ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز بعملة البيتكوين، بحجة «ضمان عدم إمكانية تتبعها أو مصادرتها بسبب العقوبات»، فإن هذا التصريح غريب، لأن إحدى السمات الرئيسية للبيتكوين هي إمكانية تتبعها: فكل معاملة في سجل البيتكوين شفافة ودائمة.

ومن المرجح أن تتطلب الأموال المتداولة عبر الشبكة تحويلًا إلى نظام العملات الورقية، إذا أراد الإيرانيون استخدامها لشراء السلع.

ويمكن للسلطات الأمريكية مراقبة هذه التحويلات (إذا قررت الاعتراض على الرسوم أو المطالبة بجزء منها).

وقال الخبير الاقتصادي إسوار براساد، مؤلف كتاب «مستقبل المال»: «الواقع الذي تواجهه إيران هو أنها إذا أرادت استيراد أي شيء، فسيتعين عليها تحويل البيتكوين إلى نقود حقيقية في مرحلة ما، وهذا سيؤثر حتماً على النظام المالي القائم على الدولار».

ويقول آري ريدبورد، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية ومساعد المدعي العام الأمريكي، هو الرئيس العالمي للسياسات في شركة «تي آر إم لابس» للاستخبارات المتخصصة في تقنية البلوك تشين وتتبع أنشطة التمويل غير المشروع، إن إيران تواجه تحديات لوجستية خطيرة إذا أرادت إبقاء أموالها بعيداً عن النظام الدولاري.

وفيما تتيح تقنية العملات المشفرة نقل مبالغ أكبر من الأموال عبر الحدود بسرعة غير مسبوقة، فإن كل معاملة تبقى قابلة للتتبع والمراقبة وغير قابلة للتغيير.ويكمن التحدي في أن كل ما لديك هو عنوان أبجدي رقمي في السجل. وبذلك، يمكنك رؤية الأموال الداخلة والخارجة، لكن لا يمكنك معرفة من يقوم بتحويلها. ومهمتنا هي اكتشاف ذلك.

وتكمن نقطة الضعف في «الوصلة» بين نظام العملات المشفرة والنظام المالي التقليدي. ويقول ريدبورد: «يحتاج الإيرانيون بشدة إلى استخدام الأموال لشراء الأشياء، ولا بد لهم من القيام بذلك بالعملات الورقية».

ولتجنب التدقيق، قد تحاول جهات حكومية توجيه أنشطتها عبر منصات تداول غير ملتزمة أو وسطاء خارج البورصة، متجنبة الشركات التي تلتزم بقوانين «اعرف عميلك». وهكذا، يتحول الأمر إلى لعبة كر وفر.

ويقول إنه عند هذه النقطة، غالباً ما تتدخل شبكات غسيل الأموال العالمية الكبرى التي تخدم عصابات المخدرات، وقراصنة الإنترنت الكوريين الشماليين.

وغني عن القول، لا يُشير أي من هذا إلى أن وجود بوابة دفع بيتكوين تتيح أن تضفي شرعية على البيتكوين كعملة عالمية بديلة. فهو لا يزال يبدو خياراً سيئاً للغاية، من جميع النواحي، لأي شخص لديه خيار العمل علناً في النظام النقدي التقليدي.