رنا فوروهار

هل أصبحت مراكز البيانات بمثابة أنشطة التكسير الهيدروليكي الجديدة؟ هذا سؤال رأيته لأول مرة في تقرير بحثي لشركة ستراتيجاس منذ فترة.

ومنذ ذلك الحين، تدفعني ردود الفعل السلبية المتزايدة تجاه الذكاء الاصطناعي إلى الاعتقاد بأن الإجابة هي نعم.

وفيما يتوقع أن تنفق شركات مثل أمازون، وميتا، وألفابت، ومايكروسوفت، وغيرها حوالي 700 مليار دولار على بناء مراكز بيانات في أمريكا الشمالية هذا العام، فقد بدأت هذه الشركات العملاقة تواجه معارضة بشأن تداعيات هذه التقنية، وقد تكون العواقب الاقتصادية والسوقية وخيمة.

ووفقاً لمشروع مراقبة مراكز البيانات، توقفت أو تعطلت مشاريع مراكز بيانات تعتمد على الذكاء الاصطناعي بقيمة 156 مليار دولار العام الماضي بسبب مخاوف تتعلق بكل شيء تقريباً، بدءاً من ارتفاع أسعار الكهرباء – لأن مراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من الكهرباء - وصولاً إلى ندرة المياه وفقدان الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا. وكما أدت معارضة أنشطة التكسير الهيدروليكي إلى مخاوف بشأن الآثار البيئية والصحية لهذه التقنية، ما أدى إلى توقف عمليات الحفر، فإن المخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي تُبطئ الآن من وتيرة إنشاء مراكز البيانات.

ويشير تقرير صادر عن مؤسسة «جيفريز» إلى أن 47 ولاية كانت قد نظرت في تشريعات جديدة لتنظيم هذه التقنية بحلول منتصف عام 2025، وأن أكثر من 30 ولاية قد سنّت قوانين جديدة تتراوح بين حماية المبلغين عن المخالفات ومتطلبات استخدام الطاقة والسلامة.

ومن اللافت للنظر أنه بعد فشل قرار إدارة ترامب بتعليق تنظيم الذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات العام الماضي، يسعى البيت الأبيض الآن إلى التوافق مع الرأي العام، فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «بيو» أن الأمريكيين أكثر سلبية تجاه الذكاء الاصطناعي من مواطني أي دولة أخرى شملها الاستطلاع، ولذلك تُلزم الإدارة الآن شركات التكنولوجيا الكبرى بالتوقيع على «تعهد حماية المستهلك» الذي من شأنه نظرياً أن يُبقي فواتير الكهرباء وغيرها من فواتير الخدمات، التي ارتفعت في العديد من المناطق نتيجة لتوسع مراكز البيانات، تحت السيطرة.

وهذا التعهد طوعي، ما يعني أنه لا توجد، حتى الآن، أي قواعد ملزمة تجبر شركات التكنولوجيا الكبرى على تعويض الجمهور عن ارتفاع الأسعار، أو الضغط على شبكة الكهرباء القديمة والمنهكة أصلاً، أو أي آثار سلبية أخرى لمراكز البيانات، مثل ارتفاع مستويات الضوضاء أو تدهور جودة الهواء.

لكن مع انضمام شركات من خارج قطاع التكنولوجيا إلى الرأي العام في التعبير عن مخاوفها، فقد يتغير الوضع، حيث عارضت مجموعة مستخدمي الطاقة في لويزيانا - التي تضم شركات مثل إكسون موبيل وشيفرون ومعها كبرى شركات تصنيع المواد الكيميائية - ما تعتبره معاملة تفضيلية لمراكز البيانات الجديدة التي تبنيها شركات مثل ميتا، بل إن بعض الشركات الكبرى مثل «دايموندباك» و«ديفون إنرجي» بدأت في بناء بنيتها التحتية الخاصة للطاقة والمرافق العامة كإجراء احترازي ضد استهلاك الذكاء الاصطناعي المفرط للطاقة، وهو أمر سيؤجج بلا شك المخاوف العامة بشأن سباق تسلح الذكاء الاصطناعي في مجال الكهرباء.

لا عجب إذن أن الديمقراطيين يجعلون من معارضة الذكاء الاصطناعي قضية محورية في حملتهم الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي. وقد دعا شعبويون مثل السيناتور بيرني ساندرز، والنائبة ألكساندريا أوكاسيو- كورتيز، إلى وقف بناء مراكز البيانات الجديدة، حتى أن ديمقراطيين موالين للشركات، مثل السيناتور مارك وارنر، أشاروا إلى أن الذكاء الاصطناعي بات أقل شعبية لدى الأمريكيين من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك.

وقدّم وارنر، بالتعاون مع السيناتور الجمهوري الشعبوي اليميني جوش هاولي، مشروع قانون مشترك بين الحزبين يُلزم الشركات الكبرى والوكالات الفيدرالية بالإبلاغ عن عمليات التسريح والتغييرات الوظيفية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى وزارة العمل. وإذا فاز الديمقراطيون بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، كما تشير بعض استطلاعات الرأي، فلن أتفاجأ برؤية ردود فعل شعبوية حادة تجاه هذه التقنية.

وسيضع هذا، بطبيعة الحال، الجمهوريين المعتدلين والرئيس الأمريكي في موقف حرج. ولطالما كانت هناك توترات كبيرة بين المصالح الراسخة في وادي السيليكون - الممثلة بالحضور البارز لعمالقة التكنولوجيا في حفل تنصيب ترامب الثاني وقاعدة ترامب الشعبية، التي ستعاني من فقدان الوظائف وارتفاع أسعار الخدمات.

وقد يُثير ذلك أيضاً مزيداً من التساؤلات في الأسواق حول قدرة شركات الحوسبة السحابية العملاقة على تبرير أسعار أسهمها. وعلى الرغم من الترقب الكبير للاكتتاب العام الأولي لشركة «أوبن أيه آي»، إلا أن من اللافت للنظر أن المقرضين الساعين لتمويل إنشاء مراكز بيانات جديدة يواجهون صعوبة في الحصول على تأمين لهذه المشاريع الضخمة.

وقد تستفيد شركات التكنولوجيا، الساعية لطمأنة الجمهور والمستثمرين بشأن آفاقها، من التجربة السابقة للتعامل مع التكسير الهيدروليكي، وتُحسّن من عرض مزايا مراكز البيانات، فقبل نحو خمسة عشر عاماً، أطلقت شركات الطاقة، في محاولة لطمأنة الجمهور بشأن التكسير الهيدروليكي، حملات علاقات عامة، مركزةً على فوائد انخفاض أسعار الغاز، ووظائف صناعة النفط ذات الأجور المرتفعة، ومزايا أمن الطاقة المحلي في السياسة الخارجية. ولو لم تُكلل هذه الجهود بالنجاح لكان إنتاج النفط الأمريكي ثلث ما هو عليه الآن، وفقاً لشركة ستراتيجاس.

وسيزداد اقتناع الأمريكيين بفوائد الذكاء الاصطناعي أهميةً، نظراً لأن بعض المراكز الجديدة، لتجنب تأخير البيانات - أي الفترة الزمنية بين طلب البيانات والاستجابة لها - ستُبنى بالقرب من المدن الكبرى، التي عادة ما تفرض قوانين ولوائح أكثر صرامة على البناء. ومن الأجدر بشركات التكنولوجيا الكبرى أن تتخلى عن التعالي المعتاد في تعاملاتها، وأن تجد سُبلاً لنشر فوائد الذكاء الاصطناعي المحتملة بين عامة الناس. وعلى المدى القريب، قد يشمل ذلك استثمارات في تطوير شبكات الكهرباء، وإعادة تأهيل القوى العاملة، وإبرام اتفاقيات منفعة مجتمعية في المناطق التي تُبنى فيها مراكز البيانات.

أما على المدى البعيد، فقد نحتاج إلى عائدات بيانات عامة تُضاهي الثروات المُستمدة من عائدات الوقود الأحفوري. لذلك إذا أرادت أمريكا أن تتفوق في سباق الذكاء الاصطناعي، فلا بد أولاً أن يرى الجمهور ما سيجنيه من هذه الفوائد.