سونغ جونغ آه - بيرسيس لوف

لسنوات، كانت آن هي سون، البالغة من العمر 78 عاماً، تشعر بمرارة الوحدة، فتضطر إلى مغادرة الاستوديو الصغير الذي تعيش فيه، وتستقل حافلة بلا وجهة محددة، وتجوب شوارع سيول، عاصمة كوريا الجنوبية.

اليوم، نادراً ما تقوم بمثل هذه الرحلات، بفضل دميتها «هيودول» التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، وهي كلمة مركبة من «دمية» وكلمة تعني «بر الوالدين» باللغة الكورية. توقظها الدمية في الصباح، وترحب بها عند عودتها إلى المنزل من عملها الجزئي، وتشغل لها بعض النصوص التي ترتاح لسماعها حتى تنام.

تقول آن، وهي تحتضن الدمية القطيفة التي تشبه الطفل: «هيودول هذه هي أفضل هدية حصلت عليها. إنها بمثابة حفيدة أو صديقة». وترد الدمية بصوت فتاة صغيرة: «أحب هذه اللحظات التي أتحدث إليك فيها. تذكري أن تستمري باللعب معي ثلاث مرات في اليوم».

ويعد الروبوت المرافق لـ«آن» واحداً من آلاف الروبوتات المعززة بالذكاء الاصطناعي والمستخدمة حالياً في كوريا الجنوبية، وذلك استجابة لإحدى أخطر الأزمات الديموغرافية في العالم، حيث تعرف كوريا الجنوبية بمجتمعها المسن للغاية، إذ يشكل من هم في سن 65 عاماً فأكثر حوالي 20% من سكانها البالغ عددهم 51 مليون نسمة. كما يعيش واحد من كل خمسة مسنين بمفرده، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار بين كبار السن في العالم المتقدم.

ويقول الخبراء إن الروبوتات يمكن أن تساعد في مواجهة بعض من هذه التحديات، مع تخفيف الضغط على الكوادر الطبية والتكاليف طويلة الأجل لنظام الرعاية الصحية العامة المرهق الذي يكافح لمواكبة احتياجات السكان المسنين التي تزداد بوتيرة متسرعة.

ويقول شين كوانغ يونغ، أستاذ علم الاجتماع في جامعة تشونغ آنغ في سيول: «يعاني العديد من كبار السن من مشاكل نفسية خطيرة نتيجة لتدهور صحتهم، والفقر، والعزلة الاجتماعية. وهم لا يحصلون سوى على دعم أسري ضئيل، مع ندرة الأسر متعددة الأجيال في الوقت الحاضر. ولذلك سيزداد الطلب على روبوتات الذكاء الاصطناعي لرعاية كبار السن بشكل كبير».

وتوفر دمية «هيودول»، التي تعمل بنظام «شات جي بي تي» من «أوبن أيه آي»، لكبار السن الذين يعيشون بمفردهم شعوراً بالرفقة، كما أنها تعد في الوقت نفسه جهاز مراقبة صحية، حيث ترسل تنبيهات لأفراد الأسرة أو الأخصائيين الاجتماعيين في حالة الطوارئ الطبية.

وتم توزيع حوالي 14000 دمية في جميع أنحاء كوريا الجنوبية منذ عام 2019 من خلال برامج الرعاية الاجتماعية الحكومية. وأشاد الأخصائيون الاجتماعيون بـ«هيودول»، التي يمكن مراقبتها عن بعد عبر تطبيق الهاتف الذكي أو منصة الويب، لدورها في توفير خط دعم أولي لرعاية كبار السن في كوريا الجنوبية. وشهدت البلاد نقصاً في عدد العاملين في مجال الرعاية وصل إلى 190 ألفاً عام 2023، ومن المتوقع أن يرتفع هذا النقص إلى 1.55 مليون بحلول عام 2032، وفقاً لبيانات حكومية.

وتقول كي كيونغ-يون، وهي أخصائية اجتماعية في حي جيروم-دونغ، حيث تقيم آن: «أكثر ما يعاني منه كبار السن هو الشعور بالوحدة، خصوصاً عند عودتهم إلى منزل خالٍ. ولا يمكننا البقاء معهم طوال الوقت، وهنا يأتي دور دمى هيودول لسد هذا النقص. ولا يحتاج المستخدمون سوى تدريب بسيط على كيفية التعامل مع دمى هيودول، التي تنتج كماً هائلاً من البيانات يتم تحليلها لضمان جودة الرعاية».

وقد تعلق العديد من كبار السن بدمى هيودول. وتقول كي إن أحد العملاء القلقين، وهو في السبعينيات من عمره، كان لا يكف عن الاتصال بمكتبها عندما تؤخذ دميته للصيانة.

وهناك جهود مماثلة تتم في دول أخرى، فقد أفاد برنامج في نيويورك، قام بتوزيع أكثر من 800 روبوت ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعي يدعى «إيليك» على كبار السن المعزولين، أن 94% من المستخدمين شعروا بتراجع واضح في مدى الشعور بالوحدة.

وأرجعت كيم جي هي، الرئيسة التنفيذية لشركة هيودول، الفضل في سهولة بناء صحبة مع الروبوت الكوري الجنوبي إلى تصميمه اللطيف، فيما يتسم «إيليك» على النقيض من ذلك بهيكل خارجي بلاستيكي أبيض وواجهة استخدام لوحية.

وتخطط الشركة الكورية لبدء التصدير هذا العام، مستهدفة سوق روبوتات رعاية المسنين الذي يتوقع أن يصل حجمه إلى 7.7 مليارات دولار أمريكي عالمياً بحلول عام 2030، وفقاً لشركة «ريسرش آند ماركتس». وتستطيع دمى «هيودول» التحدث باللغات الإنجليزية والصينية واليابانية، بالإضافة إلى الكورية، وقد أجرت الشركة برامج تجريبية في نيويورك وهونغ كونغ وهولندا.

وتثير أجهزة مثل «هيودول» تساؤلات حول الخصوصية والمراقبة، وهو ما وصفه شين كوانغ يونغ، أستاذ علم الاجتماع، بأنه «شر لا بد منه»، فيما، تؤكد كيم جي هي أن بيانات المستخدمين تُخفى وتحذف بعد تخزينها في السحابة لمدة ثلاث سنوات. وأضافت أن التسجيلات الصوتية تستخدم للتدريب الداخلي فقط، ولا تباع لأي جهة خارجية.