ريتشارد ووترز

لكي نحصل على فكرة حول مدى صعوبة استيعاب سوق الأسهم للتهديدات الجذرية التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، يكفي أن ننظر إلى موجة البيع التي أطلقتها شركة «ألغوريثم» (Algorhythm) التي تتخذ من فلوريدا مقراً لها في وقت سابق من هذا العام.

وكانت شركة «ألغوريثم»، وهي شركة مصنّعة لأجهزة الكاريوكي، تحولت إلى مجال الذكاء الاصطناعي في عام 2024، وبلغت قيمتها السوقية مليوني دولار، ما جعلها أقل الشركات قيمة في بورصة ناسداك في يناير، وفقاً لبريندان هوبكنز، المسؤول عن علاقات المستثمرين فيها.

ولكن عندما أعلن رئيسها التنفيذي، غاري أتكينسون، في بيان صحافي في فبراير أن برنامج الذكاء الاصطناعي الخاص بها قادر على التخلص من الرحلات غير الضرورية التي تمثل 30% من رحلات قطاع النقل بالشاحنات العالمي، انخفضت أسهم شركات النقل الأمريكية بشكل حاد.

ويقول أتكينسون الآن إن الحسابات التي تحدث عنها كانت مجرد مثال توضيحي، وإن فكرة أن يسارع سائقو الشاحنات في العالم إلى تسليم بياناتهم القيّمة لشركة ناشئة صغيرة في مجال الذكاء الاصطناعي كانت فكرة سخيفة. لكن، كما يضيف، كان هذا مثالاً على الاضطراب الشديد للسوق، ولذلك كان مفيداً: «الجميع يترقبون بقلق: من سيتأثر بالذكاء الاصطناعي؟».

انتشرت المخاوف هذا العام بسرعة من أن التكنولوجيا الكامنة وراء «شات جي بي تي» ستُحدث تغييراً جذرياً في قطاعات صناعية واسعة، حتى وإن كان رد فعل المستثمرين منصباً في الغالب على تهديدات نظرية، بما في ذلك بعض التهديدات البعيدة عن الواقع مثل تلك التي تطرحها «ألغوريثم».

وقد كان التأثير أشد وطأة في عالم البرمجيات، حيث تتزايد المخاوف منذ فترة مع تحول الذكاء الاصطناعي لطريقة كتابة البرامج. والآن يبدو أن عام 2026 سيكون العام الذي تتسع فيه هذه المخاوف لتشمل نطاقاً أوسع.

وكان من بين العوامل المحفزة خبر قيام شركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي بإعادة توظيف وكيلها البرمجي للقيام بمجموعة واسعة من الأعمال المكتبية، ما أدى إلى خسارة أسهم شركات البرمجيات 830 مليار دولار في غضون أسبوع واحد.

وهكذا، فإننا إذا صدّقنا دعاة الذكاء الاصطناعي، قد يظهر الذكاء الاصطناعي في كل مكان تقريباً ويحل محل الأعمال التي كانت تتطلب سابقاً تدخلاً بشرياً. ونجد الآن بعض المستثمرين يتسرعون ببيع أسهمهم فور صدور أي بيان صحافي.

وحدثت موجة اضطراب مماثلة بعد أن أعلنت شركة «ألتريوست»، وهي شركة خاصة تقدم خدماتها لمستشاري الاستثمار، في فبراير عن إطلاقها أداة تخطيط ضريبي مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وكان التفاعل الحاد مع الإعلان مؤشراً على مخاوف أوسع نطاقاً من أن الذكاء الاصطناعي قد يُؤتمت خدمات وأنواعاً كاملة من الأعمال التي تدر أرباحاً ثابتة للشركات ودخلاً جيداً للعاملين فيها.

ويُعد مدى اتساع نطاق هذا التأثير وشكله من الأسئلة التي يحاول الكثير من المديرين التنفيذيين، والمستثمرين أيضاً، فهمها. ويمكن نظرياً تطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو تقنية متعددة الأغراض مثل أجهزة الكمبيوتر الشخصية أو الإنترنت، لحل نطاق واسع من المشكلات. ومن المرجح أن تمتد آثاره إلى مجالات أوسع بكثير، في أي قطاع يمكن أن تحقق فيه القدرة على جمع كميات هائلة من البيانات ومعالجتها ميزة تنافسية.

وعلى سبيل المثال، يقوم جيف بيزوس، مؤسس أمازون، بجمع صندوق استثماري ضخم لشراء شركات تصنيع، على أمل أن يعيد تجهيزها بتقنية من شركته المتخصصة في الذكاء الاصطناعي «روجكت بروميثيوس»، وأن يتفوق على الشركات المصنعة الأخرى الأبطأ في التكيف.

لكن كل هذه الأحاديث عن التغيير الجذري تعيد إلى الأذهان ذكريات التسعينيات، عندما كانت الشركات الناشئة التي تركب الموجة الأولى من الإنترنت تعتبر تهديداً وشيكاً للكثير من الشركات الراسخة، وكان الخوف من التعرض لـ«دوت كوم» منتشراً على نطاق واسع.

وقد يكون الذكاء الاصطناعي التوليدي، بطبيعته، أكثر قدرة على التغيير الجذري، لكن تجربة الثورة الرقمية السابقة لا تزال تحمل دروساً قيّمة، حيث فقد الكثير من الرواد الأوائل في تلك الحقبة، الذين تحرروا من قيود أساليب العمل التقليدية، أموالهم قبل أن يتبنى السوق ابتكاراتهم على نطاق واسع، بينما تمكن عدد قليل من أن يصبحوا أكبر الشركات في التاريخ.

على الرغم من كل التحركات السوقية المحمومة التي شهدناها في الأشهر الماضية، إلا أن التنبؤ بالفائزين والخاسرين في هذه الحقبة من التحول التكنولوجي قد يكون صعباً بدرجة كبيرة.

وعلى سبيل المثال، يستشعر سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، موجة ضخمة في عالم الإعلان. وصرح بأن «95% مما يستعين به المسوّقون اليوم من وكالات واستراتيجيين ومبدعين سيتم إنجاز ما يقومون به بسهولة، وبشكل فوري تقريباً، وبتكلفة شبه معدومة، بواسطة الذكاء الاصطناعي».

ومع ذلك، فمجرد قدرة تقنية جديدة نظرياً على تولي الكثير من الوظائف التي يؤديها البشر حالياً لا تعني بالضرورة أنها ستفعل ذلك، فالعالم الواقعي يميل إلى مقاومة التغيير، سواءً بسبب المصالح الراسخة والعادات الثقافية التي تبطئ من تكيف هياكل السوق، أو بسبب وجود عوائق تنظيمية، أو لأن الأنظمة اللازمة لدعم تغيير أوسع نطاقاً في الاقتصاد تستغرق وقتاً للتطور.

ولنتذكر دائماً أن فقاعة الإنترنت انفجرت سريعاً عندما نفدت أموال معظم الشركات الناشئة، وواجهت حقيقة عدم وجود سوق حقيقية لخدماتها. ويقول بيل جينواي، نائب رئيس شركة واربورغ بينكوس للاستثمار خلال طفرة الإنترنت: «كان من السهل آنذاك تخيّل كيف يمكن لقدرة جديدة، كالتجارة الإلكترونية، أن تظهر فجأة وتطيح بتجار التجزئة الحاليين، لكن التجارة الإلكترونية واجهت عقبات كبيرة في قدرتها على التعامل فعلياً مع أحجام المعاملات الضخمة.

وقد تطلّب الأمر تطوير الكثير من التقنيات والخدمات الجديدة المكمّلة قبل أن تتمكن التجارة الإلكترونية من تحقيق وعودها الأولية»، ولذلك يضيف جينواي: «أنا متشكك للغاية في حلول الذكاء الاصطناعي العامة لكل شيء».

وعلى الرغم من أن شركات الذكاء الاصطناعي تقول إن برامج الذكاء الاصطناعي المستخدمة حالياً على نطاق واسع لإنتاج البرمجيات تُثبت جاهزية هذه التقنية للاستخدام على نطاق أوسع، إلا أن كريس برادلي، من معهد ماكينزي العالمي، يرى أن هذه البرامج العامة أشبه بسيارات الأجرة ذاتية القيادة التي تشغلها شركة وايمو.

ورغم أن شركات الذكاء الاصطناعي تقول إن برامج الذكاء الاصطناعي المستخدمة على نطاق واسع حالياً تُثبت جاهزية هذه التقنية للاستخدام على نطاق أوسع، إلا أن كريس برادلي، من معهد ماكينزي العالمي، يرى أن هذه البرامج أشبه بسيارات الأجرة ذاتية القيادة التي تشغلها شركة وايمو، فقد بدأت هذه الأنظمة بالعمل في شوارع عدد محدود من المدن، ولكن بعد سنوات طويلة من التدريب والتطوير، وحتى الآن لا تزال عاجزة عن التعامل مع جميع المواقف التي يتقنها السائق البشري.

وهناك بالفعل عقبات كثيرة أمام أنظمة الذكاء الاصطناعي، فمشكلة الهلوسة المستمرة، أو ما يُعرف بـ«اليقين المفرط» المصاحب للاستجابة الخاطئة، دفعت الشركات إلى وضع ضوابط صارمة حول هذه التقنية. وعلى سبيل المثال، يستخدم برنامج الضرائب من شركة «ألتريوست» أنظمة الذكاء الاصطناعي للبحث في الوضع الضريبي للعميل، قبل إحالة أي حسابات ضريبية فعلية إلى برامج تقليدية تعتمد على البيانات الحتمية.

ولم يوقف ذلك السباق المحموم لتحويل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى سلاح استراتيجي في عالم الأعمال، الذي من المرجح أن تُرجّح بعض جوانبه كفة الشركات الناشئة المبتكرة على الشركات الكبيرة القائمة، وهنا يقول مايكل موريتز، الرئيس السابق لشركة رأس المال الاستثماري سيكويا: سيحتاج تأسيس الشركات وبناؤها إلى عدد أقل بكثير من الأشخاص في المستقبل، ما يمنح ميزة للشركات الجديدة التي تبدأ من الصفر، لكنه يعتقد أن الفكرة الشائعة بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى ظهور شركات فردية هي «مبالغة لا أساس لها».

وبالنسبة للشركات القائمة، فإن مخاطر إعادة النظر في نماذج أعمالها بالكامل وتقويض مصادر دخلها الحالية تشكل حوافز قوية للتمسك بالطرق التقليدية لكسب المال. ويرتبط الكثير من هذه العوامل ارتباطاً مباشراً باستخدام العمالة البشرية، بدءاً من أجور شركات الخدمات المهنية بالساعة، مروراً باشتراكات شركات البرمجيات لكل مستخدم، وصولاً إلى «ما يعادل الموظفين بدوام كامل التي تستخدمها وكالات الإعلان لحساب أتعابها. وهذا قد يعرضها للخطر مع ظهور خدمات جديدة مؤتمتة.

ويقول كريس برادلي، من شركة ماكينزي، إن الكثير من رؤساء الشركات الكبرى ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بنظرة ضيقة للغاية، إذ يقتصر تفكيرهم على كيفية استخدامه لاستبدال الوظائف الحالية، وكيف يمكن أن يغير بعض عمليات العمل، فيما ينبغي عليهم بدلاً من ذلك تبني رؤية أوسع، والنظر إلى هذه التقنية على أنها بمثابة «مركز بيانات مليء بالعباقرة» قادر على إعادة تصور كيفية تقديم القيمة للعملاء.

وتشير مستثمرة في رأس المال المخاطر إلى مثال شركة الأبحاث القانونية «كيس تكست»، بعد اطلاعها المبكر على روبوت الدردشة «شات جي بي تي - 4». وتقول إنها «أعادت النظر في خطة تطوير منتجاتها بالكامل» لإعادة تركيز ذكائها الاصطناعي على كتابة المذكرات القانونية. وقد مهّد هذا القرار الطريق لبيعها لشركة تومسون رويترز مقابل 650 مليون دولار في عام 2023.

لكن موجات التغيير السابقة، مثل ما حدث عند صعود الإنترنت، عادة ما أتاحت للشركات القائمة مجالاً أوسع مما كان متوقعاً في خضم الثورة التكنولوجية، فالكثير من الأسواق لا تتغير بالسرعة التي يتوقعها رواد التغيير، ما يمنح الشركات القائمة الوقت الكافي للتكيف، وأحياناً عن طريق شراء الشركات الناشئة المبتكرة.

وعلى سبيل المثال، فلطالما نُظر إلى وول مارت على أنها الضحية الرئيسية المتوقعة لصعود أمازون، لكن وول مارت لا تزال حاضرة بقوة، بعد سنوات من الاستثمار لإعادة بناء أعمالها حول التجارة الإلكترونية، بما في ذلك إنفاق 3.3 مليارات دولار على شراء متجر التجزئة الإلكتروني «جت.كوم» في عام 2016. وبعد أن تضاعفت قيمتها السوقية خلال العامين الماضيين، نجحت أخيراً في تجاوز حاجز التريليون دولار لأول مرة.

يرفض بعض خبراء الصناعة توقعات ألتمان بأن الذكاء الاصطناعي سيقضي على وكالات الإعلان، معتبرين ذلك تبسيطاً مفرطاً، حتى مع إقرارهم بأنه سيُحدث تحولاً جذرياً في أمور مثل طريقة إنتاج المحتوى الإعلاني وتخطيط الحملات.

ويقول برايان ويزر، مدير شركة ماديسون آند وول، وهي شركة استشارات إعلامية وتسويقية، إن شراء المساحات الإعلانية، الذي يعد مصدر الدخل الرئيسي للوكالات، قد تأثر بالفعل بشكل كبير بسنوات من تبني الذكاء الاصطناعي، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أنه إذا واصلت وكالات الإعلان الاستثمار والتكيف، فستتمكن من الاستفادة من هذه الموجة الجديدة القوية.

وهكذا، فإن الشركات التي ستفشل في التكيف ستتخلف عن الركب، حيث سيقضي كل من المنافسين والعملاء الذين يستغلون كفاءات الذكاء الاصطناعي على مصادر ربحها السابقة. ويقول كريس فاريلاس، المؤسس المشارك لشركة ريفرسايد كابيتال للاستثمار في وادي السيليكون، إن هذه الموجة ستُحدث تفاوتاً قاسياً في عالم الأعمال، حيث ستجعل الأذكياء أكثر ذكاءً، أما من لا يستطيعون ابتكار منتج متميز فسيكونون الخاسرين.

وإذا ما استدللنا بدروس فترات التغيير الجذري السابقة، فإن معظم المؤسسات التجارية الحالية ستتخبط في طريقها، فيما يبرز عدد قليل من عمالقة الذكاء الاصطناعي الجدد ليصبحوا أبرز المستفيدين من هذه التكنولوجيا.

ويقول كريس برادلي: «لقد أظهر التاريخ الاقتصادي أن معظم التغيير الصناعي يحدث من خلال شركات جديدة ضخمة تقدم إنجازات كبيرة، ثم يستمر باقي الاقتصاد في مساره المعتاد، لكن خلال هذا التحول لن يكون هناك نقص في الاضطرابات والتقلبات والتحولات الجذرية».