جون يون
مع ارتفاع أسعار النفط، تعود الرواية المألوفة: زيادة تكاليف الوقود ستدفع نحو التحوّل إلى السيارات الكهربائية. لكن مثل هذه الرواية تخلط بين التوقيت والسبب. فقد تغيّرت اقتصاديات القيادة منذ فترة طويلة.
على سبيل المثال، تستهلك سيارة تسلا موديل 3 ذات المدى الطويل حوالي 25 كيلوواط / ساعة لكل 100 ميل. ومع متوسط تكلفة كهرباء يبلغ 17.5 سنتاً لكل كيلوواط/ ساعة، فإن ذلك يُعادل حوالي 4.5 سنتات لكل ميل. ولتحقيق الأداء نفسه، ستحتاج سيارة بنزين تقطع 38 ميلاً للغالون إلى أن يكون سعر الوقود حوالي 1.70 دولار للغالون، وهو مستوى أقل بكثير من أسعار البنزين في السنوات الأخيرة.
وقد ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة فوق متوسط 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع لأول مرة منذ أغسطس 2022، وفقاً للجمعية الأمريكية للسيارات. وبأسعار اليوم، تصبح ميزة التكلفة الحالية للسيارات الكهربائية واضحة تماماً. لكن إذا كانت السيارات الكهربائية أرخص تشغيلاً في كثير من الأحيان، فلماذا لم ينتشر استخدامها بشكل أسرع حتى الآن؟
يكمن الأمر في فترة استرداد التكاليف، أو الوقت اللازم لتعويض التكلفة الأولية المرتفعة للسيارة الكهربائية من خلال وفورات الوقود. وبالنسبة لمعظم الأسر، يعتمد قرار التحول إلى السيارات الكهربائية على وفورات دورة حياة السيارة، بالإضافة إلى سرعة ظهور هذه الوفورات. فالسيارة الكهربائية التي تكون أرخص على مدى عشر سنوات قد تبدو باهظة الثمن اليوم.
وخلال معظم العقد الماضي، ساهم استقرار أسعار النفط نسبياً في التخفيف من هذا التوتر. فقد حافظ ذلك على تكلفة تشغيل سيارات البنزين في متناول اليد على المدى القصير، حتى مع تراجع قدرتها التنافسية بمرور الوقت. كما أتاح هذا الاستقرار لشركات صناعة السيارات التقليدية مجالاً للحفاظ على تشغيل المصانع، والحفاظ على المبيعات، وتأجيل إعادة هيكلة أعمالها في مجال محركات الاحتراق الداخلي.
لكن مع ارتفاع أسعار الوقود، يصبح من الصعب تجاهل الجوانب الاقتصادية. ويسرع تقلص فترات استرداد التكاليف من وتيرة القرارات الجارية بالفعل.
وهنا تتزايد الضغوط على شركات صناعة السيارات التقليدية، وتصبح مُجبرة على تسريع التحول إلى السيارات الكهربائية مع تحملها في الوقت نفسه التكاليف الثابتة لأنظمتها الحالية، بما في ذلك المصانع المُصممة لمحركات الاحتراق الداخلي، وخطوط الإنتاج المتداخلة، وشبكات الموردين الحالية. والنتيجة هي ضغطٌ هائل، مع انخفاض العائدات في النموذج القديم واشتداد المنافسة في النموذج الجديد.
في الوقت نفسه، بدأت العديد من مصادر التردد المتبقية بالتلاشي. فقد أثبتت المخاوف بشأن عمر بطاريات السيارات الكهربائية، والتي غالباً ما تتمحور حول مخاطر الاستبدال المكلف، أنها أقل أهمية في الواقع. ووفقاً لبيانات وزارة الطاقة الأمريكية، فإن معدل استبدال بطاريات السيارات الكهربائية القابلة للشحن المصنعة منذ عام 2016 فصاعداً يقل عن 1%. كما أن معدلات الأعطال منخفضة، والضمانات في تحسن مستمر.
وبدأت تصورات المخاطر وتأثيرها على قيم إعادة البيع بالتراجع. وفي أسواق مثل أوروبا، حيث تواجه شركات صناعة السيارات التقليدية تكاليف تشغيل أعلى، أصبح هذا التحول واضحاً بالفعل.
فقد بلغت تسجيلات شراء سيارات «بي واي دي» ما يقرب من 18,000 وحدة في فبراير، بزيادة تتجاوز 160%، متجاوزةً بذلك شركة تسلا قبل الارتفاع الأخير في أسعار النفط، وهو ما يدل على أن تقلبات أسعار الوقود لم تعد هي المحرك الرئيسي لانتشار السيارات الكهربائية.
ومع تلاشي حالة عدم اليقين، يبقى سعر الشراء هو العائق المتبقي. صحيح أن الفجوة بين التكلفة الأولية والوفورات التشغيلية تتقلص، إلا أنها لم تُسد تماماً بالنسبة لمعظم شركات صناعة السيارات. وهنا اكتسبت شركات مثل «بي واي دي» زخماً من خلال طرح سيارات كهربائية بأسعار معقولة، حيث تكون وفورات التكلفة واضحة دون الحاجة إلى استثمار طويل الأجل.
ولكي تصل السيارات الكهربائية إلى الأسواق الجماهيرية، يجب تقليص فترة استرداد التكلفة إلى الحد الذي تصبح فيه الميزة فورية.
وهذا يعني التوجه نحو فئة سعرية أقل من 40,000 دولار، حيث تبدأ السيارات الكهربائية في منافسة مباشرة مع سيارات البنزين التقليدية. أما في الفئات الأعلى، فلا يزال على المشترين وضع حسابات بشأن وفورات الوقود، وقيمة إعادة البيع، ومتانة السيارة.
وبالنسبة لشركات صناعة السيارات التقليدية، خاصة في أوروبا، تبدأ المشكلة هنا. فارتفاع تكاليفها، بما في ذلك شبكات الموردين المعقدة ورأس المال المرتبط بمحركات الاحتراق الداخلي، يجعل من الصعب عليها تقديم سيارات كهربائية تنافسية عند هذه الأسعار دون المساس بهوامش الربح.
تتمتع الشركات الجديدة بمزايا تكلفة كبيرة مقارنة بالشركات التقليدية، حيث تصل فجوات تكلفة التصنيع إلى 60 - 75%، وفقاً لشركة «بي سي جي»، مع كون ارتفاع تكاليف العمالة في أوروبا وأمريكا الشمالية جزءاً من القيود. وهذه الفجوة واضحة بالفعل في الأسعار.
وتُباع السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات في أوروبا بأسعار أعلى بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بسيارات البنزين المماثلة، وفقًا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، مما يحدّ من انتشارها في الأسواق الجماهيرية. وغالباً ما تُذكر التحولات في قطاع الطاقة على أنها لحظات ثورية تكنولوجية، لكنها في الواقع تكون مدفوعة بالعوامل الاقتصادية.
وقد يبدو التحول إلى السيارات الكهربائية استجابة لارتفاع أسعار الوقود، إلا أن النفط يُحدد الآن وتيرة هذا التحول أكثر من رسم اتجاهه.