روبرت أرمسترونغ - كاتي مارتن - هاكيونغ كيم
بدأ بعض أشدّ المؤمنين بالدولار في إعادة النظر بمكانة العملة التي يُفترض أنها لا تُقهر، مع استمرار الأزمة في منطقة الشرق الأوسط.
وارتفع سعر الدولار منذ بدء الحرب، كما هو متوقع في ظلّ عدم الاستقرار الجيوسياسي الحاد.
وظاهرياً، يبدو هذا بمنزلة صفعة للمتشائمين المُملّين، الذين شكّكوا خلال العام الماضي في قدرة الدولار على أن يكون ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات.
لكن لدى فريق المُتشائمين بعض الملاحظات حول هذا الموضوع، إحداها غير موثقة، حيث يقول عدد من المستثمرين والمحللين إن ارتفاع الدولار خلال الشهر الماضي لا يعود إلى الترحيب الحار بالعملة الأكثر أماناً في العالم، بقدر ما هي عودة بالدولار إلى وضع محايد ولإنهاء بعض عمليات التحوّط التي كانت قائمة في بداية العام، حيث يُؤدي التحوّط بالدولار إلى ضغط بيع على العملة.
من جهة أخرى، وبالمقارنة مع فترات سابقة، كان هذا الارتفاع في قيمة الدولار ضعيفاً للغاية. فقد دفعت الحرب مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) إلى الارتفاع بنسبة 2.6% فقط.
وهذا أداء متواضع للغاية بمعايير العامين الماضيين. وللتذكير، فإنه عندما تفشى وباء (كوفيد 19) في مارس 2020، ارتفع المؤشر نفسه بنسبة 8% خلال 10 أيام.
وقبلها، ارتفع بنسبة 10% في شهر واحد بدءاً من أواخر سبتمبر 2008، واستمر في الارتفاع. حتى عند النظر إلى الوضع على مدى عامين، تبدو هذه الحركة ضئيلة. وهكذا، تبقى العملة ضمن نطاق تداولها خلال 12 شهراً.
وقد يُفسّر البعض هذا الارتفاع بافتراض أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، من بين البنوك المركزية الكبرى، هو الأقل احتمالاً لرفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة.
وهذا يُقلّل من جاذبية الدولار نسبياً، لكن هذا التفسير غير كافٍ. ولذلك، يبدو أن الذاكرة الجماعية التي تربط الأزمات العالمية بالإقبال على شراء الدولار آخذة في التلاشي.
ويقول مارك سوبيل، كبير الاقتصاديين في منتدى المؤسسات النقدية والمالية الرسمية، والذي أمضى أربعين عاماً في وزارة الخزانة الأمريكية، إن ثمة تحولاً ما يبدو أنه طرأ، وأن الدولار قد فقد بعضاً من خصوصيته - أي ارتفاعه التاريخي عند ارتفاع مؤشر تقلبات السوق (VIX) – مثلما حدث بعد يوم التحرير وتهديدات غرينلاند هذا العام.
وقد ارتفع الدولار بالفعل مع بداية الحرب في الشرق الأوسط، جزئياً، بسبب اعتبارات تجنب المخاطر واللجوء إلى الملاذ الآمن، وأيضاً بسبب استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة. وقد تجلى ذلك بوضوح في الأيام التي اتسمت بالعداء والتوتر العالي.
لكن من الواضح أن الدولار لا يحافظ على هذا الزخم أو يشهد طلباً مستداماً مع استمرار الحرب، على الرغم من التداعيات الاقتصادية السلبية على دول أخرى حول العالم. ومع أن أجاي راجادياكشا، من بنك باركليز، يصنف ضمن فئة الـ«لا بديل»، التي ترى أنه - رغم مشكلات العجز الأمريكي - لا توجد عملة أكثر سيولة وأعمق للاحتماء بها خلال الأزمات من الدولار، فإنه الآن يقول: «نُغيّر موقفنا نوعاً ما بسبب الأداء الباهت للدولار».
ويضيف: «كان من المفترض أن تكون هذه الأزمة فرصة سانحة للدولار. فالولايات المتحدة قوة عظمى في مجال الطاقة. وأوروبا متعطشة جداً للطاقة، وكذلك الصين.
كما يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي أكثر استعداداً للتغاضي عن صدمة مؤقتة في مستوى الأسعار».
وهكذا، تبدو حرب إيران وكأنها تجربة طبيعية كشفت عن قصور الدولار، إلا إذا كنت تعتقد أنها لا تُمثّل أزمة حقيقية، وفي هذه الحالة، فلديّ جسر لأبيعه لك.
من جانبه، يرغب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشدة في إنهاء الحرب سريعاً، لكن من غير الواضح ما إذا كان سيتمكن من تحقيق ذلك.
وتشير بلومبيرغ إلى أن مسؤولي الإدارة أنفسهم يدرسون الوضع الاقتصادي في حال وصلت أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل. ولن يكون وصول سعر النفط إلى هذا المستوى سابقة في التاريخ الحديث.
فقد لامس سعر النفط، مُقوّماً بدولارات عام 2026 حدود الـ200 دولار لفترة وجيزة في عام 2008، وتراوح فوق 150 دولاراً بين عامي 2011 و2014.
ويرى محللو مجموعة ماكواري أنه في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو - ويُقدّرون احتمالية ذلك بنسبة 40% - فسيصل سعر برميل النفط إلى 200 دولار، ما سيدفع أسعار الجالون داخل أمريكا إلى نحو 7 دولارات للجالون. ولن يكون هناك تأثير حقيقي للطلب إلا في ظل هذه الأسعار المرتفعة.
وستكون النتيجة انخفاضاً في استهلاك الطاقة شبيهاً بتأثير جائحة (كوفيد 19)، وركوداً اقتصادياً مع انكماش الناتج الأمريكي بنسبة 1% تقريباً في الربع الثاني من العام على أساس سنوي.
وحتى بالنسبة للاقتصاديين الواثقين من قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل أسعار النفط التي تصل إلى 150 دولاراً للبرميل، فإنهم يُقرّون بأن 200 دولار تُغيّر الوضع تماماً.
ويقول اسكندا أمارناث من مؤسسة «إمبلو أمريكا»: «لا أقول إن الأمر سيكون مُريحاً أو مرغوباً، لكن الاقتصاد الأمريكي قادر على تحمّل ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير دون الوقوع في ركود، لكن عندما تقترب الأسعار من 200 دولار، فإن سلاسل التوريد والشركات غير مُعتادة بالمرة على وضع ميزانيات مُناسبة لهذا الواقع.
وليس لديها هامش ربح لاستيعاب الزيادة، لذا سيضطرون إلى تمريرها إلى المستهلكين وتحمّل انخفاض الطلب الناتج عنها».
ويشير روبن بروكس من معهد بروكينغز إلى أن المستهلكين لا يستطيعون بسهولة خفض استهلاك الطاقة على المدى القصير، ويعتقد أن مرونة الطلب الأمريكي على النفط مُبالغ فيها.
وفي كل الأحوال، فإن الضغط الاقتصادي سيزداد بشكل حاد على الرئيس الأمريكي لإيجاد مخرج مع كل يوم وأسبوع وشهر يبقى فيه مضيق هرمز مغلقاً.