قبل عام، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض سلسلة من الرسوم الجمركية المرتفعة على شركاء تجاريين في جميع أنحاء العالم. وقد لاقت رسوم «يوم التحرير» التي فرضها ردود فعل عالمية قوية، بل وسخرية مستحقة. فقد استندت إلى ذريعة قانونية لا أساس لها من الصحة، ومعادلة رياضية مشكوك فيها، وانتهت بفرض رسوم جمركية حتى على أرخبيل من الجزر شبه القطبية الجنوبية التي لا يسكنها سوى طيور البطريق.
وقد فشلت رسوم «يوم التحرير» حتى الآن على جميع الصعد: العملية والاقتصادية والسياسية والقانونية. واضطر ترامب إلى التراجع عنها بعد أسبوع خاصة إثر رد الفعل العنيف من جانب الأسواق المالية، ثم عاد بعد أربعة أشهر ليفرض مجموعة أقل حدة من الرسوم. ولم تُظهر هذه الرسوم حتى الآن أي مؤشرات على تحقيق أهدافها المتناقضة، بما في ذلك سد العجز التجاري الإجمالي وإعادة وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة، بل إنها لا تحظى بشعبية كبيرة لدى الرأي العام الأمريكي.
ووجد مركز بيو للأبحاث أن ستة من كل عشرة أشخاص يرفضون زيادة ترامب للتعريفات الجمركية، وكذلك هناك رفض لدى قطاع الأعمال. وفوق ذلك كله، أعلنت المحكمة العليا عدم دستوريتها الشهر الماضي، مما أجبر ترامب على الإسراع في استبدالها بتعريفات أقل تعسفاً بقليل، تستند إلى ميزان المدفوعات، والتجارة غير العادلة، والأمن القومي.
ومن الأمور المُرضية أنه، على عكس ما كان عليه الحال في ثلاثينيات القرن الماضي، لم تُبدِ الحكومات الأخرى سوى القليل من الرغبة في اتباع نهج الولايات المتحدة. ولم يشهد العالم تصاعداً مطرداً في التعريفات الجمركية. ومع ذلك، لم تبذل الحكومات الأخرى جهداً يُذكر للقيام بالدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة سابقاً في السعي لترسيخ النظام التجاري العالمي.
وقد ألقى مارك كارني، رئيس وزراء كندا، خطاباً بارزاً في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير الماضي، دعا فيه الدول إلى التكيف مع عالم خالٍ من هيمنة الولايات المتحدة. وكانت المشاعر تجاه الخطاب جيدة، لكن بقيت الممارسة غائبة. وقد تحدث كارني وآخرون عن تحالف بين القوى المتوسطة يسعى لإنقاذ التجارة متعددة الأطراف، لكن حتى الآن، الأمر الواضح بشكل خاص هو غياب الفعل.
وتجري مجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ الـ 12 الأعضاء في اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP) محادثات منذ أكثر من عام حول العمل بتنسيق مع الاتحاد الأوروبي. ولكن نظراً لاختلاف نهجها في التنظيم، ومخاوفها المتزايدة من استفزاز الولايات المتحدة دون داعٍ، فإن الحديث المتحمّس عن تعاون القوتين التجاريتين وقيادة حركة متعددة الأطراف، لا يزال بعيداً عن الواقع.
كذلك، لم يُسفر اجتماع وزراء منظمة التجارة العالمية الذي اختُتم مؤخراً في الكاميرون إلا عن بيان غامض من الاتحاد الأوروبي واتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ بشأن التعاون ودعم منظمة التجارة العالمية، ووعد بالعمل على إبرام اتفاقية تجارة رقمية.
وتستمر اتفاقيات التجارة التفضيلية الإقليمية والثنائية في الانتشار. لدى اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ عدة دول مرشحة للانضمام (بما في ذلك، بشكل مثير للاهتمام، كل من الصين وتايوان)، وقد أبرم الاتحاد الأوروبي قبل ذلك اتفاقية مع كتلة ميركوسور في أمريكا الجنوبية. وحتى الهند تغلبت على ترددها التقليدي في توقيع اتفاقيات تجارية للتوصل إلى اتفاقيات هزيلة نوعاً ما مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
مع ذلك، لا يُترجم هذا كله إلى حوكمة عالمية فعّالة. وبينما تُوقّع الهند على هذه الاتفاقيات التفضيلية، فإنها تسعى إلى عرقلة مفاوضات منظمة التجارة العالمية بشكل شامل. وتُصوّر الصين نفسها كداعم قوي لمنظمة التجارة العالمية، وهي بالتأكيد أقل تدميراً للمفاوضات من الهند، لكن نظامها الواسع للتدخل الحكومي يُشوّه التجارة. كما أن نموذجها للنمو العدواني الموجّه نحو التصدير يُولّد عجزاً تجارياً هائلاً، وهو ما يعني أنها لا تستطيع أن تكون ركيزة أساسية للنظام التجاري العالمي.
لطالما كان العمل متعدد الأطراف أقل فعالية بكثير من الالتزام بقيم التعددية. وهذه الفجوة لم تتقلص منذ أن قررت الولايات المتحدة الانسحاب.
إن حكومات العالم تحتاج إلى العمل، موضوعاً بموضوع، واتفاقية باتفاقية، على إيجاد نقاط التوافق الممكنة، ثم ترسيخها بيقين قانوني. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات تُذكر على قدرتها على القيام بذلك.
