مارتن وولف
لماذا لا يتم فرض ضريبة على شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لدعم الفنون والعلوم والصحافة؟
يعدّ إنتاج المعرفة وتداولها واستغلالها من القدرات الأساسية للإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً. هذه القدرات، أكثر من أي شيء آخر، جعلته سيد الكوكب. وهذا ما يجعل أدوات التواصل لدينا - من اللغة إلى الكتابة والطباعة والاتصالات السلكية واللاسلكية والإذاعة والتلفزيون، والآن الإنترنت - التقنيات المهيمنة في عصرها. وقد شكّل اختراعها واستخدامها ليس فقط ما يمكننا فعله في أي وقت، بل هويتنا أيضاً.
وتلعب تقنيات التواصل الحديثة دوراً رئيساً في تغيير المجتمع. وكما قال الراحل يورغن هابرماس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني، فإن الديمقراطية الليبرالية، التي باتت اليوم في خطر، كانت نتاج الكتاب والمنشور والصحيفة. وبالمثل فإن التقنيات الرقمية في عصرنا تُحدث تحولاً جذرياً. ولكن لسوء الحظ، إلى جانب العديد من المكاسب، فإنها تُسبب أضراراً جسيمة محتملة تُهدد اليوم سلامة مجتمعاتنا. هذه الأضرار ليست نظرية، بل هي واضحة للعيان.
ويتم تعريف المعرفة في لغة الاقتصاد بأنها «صالح عام». وهذا يعني أنها ستكون متاحة للجميع، ويمكن للجميع الحصول عليها دون حرمان أي شخص منها: فهي من الناحية الفنية «غير قابلة للاستبعاد» و«غير تنافسية». فالمعرفة، كما يُقال أحياناً، «ترغب في أن تكون حرة». وبالفعل، في ظل التكنولوجيا الحالية، تكاد تكلفة نشر المعلومات أن تكون معدومة.
مع ذلك فإن إنتاج معلومات صحيحة ليس مجانياً على الإطلاق. وهذا يُحدث خللاً كبيراً في الأسواق: إذ إن إنتاج ونشر المعلومات الموثوقة يكون في وضع اقتصادي غير مواتٍ بالمرة مقارنة بإنتاج ونشر المعلومات الملفقة. ويمكن أن تتحول منفعة المعرفة العامة بسهولة إلى ضرر عام يتمثل في الجهل المُتعمّد، أو ما هو أسوأ، التعصب المُستشري.
وهكذا، وكما هي الحال مع الأنهار أو الهواء، فإن المعرفة التي يتشاركها المجتمع ويستخدمها قد تتلوث. والأسوأ من ذلك أن هذا قد يكون تجارة مربحة للغاية. وليس من الصعب إيجاد أمثلة معاصرة على ذلك. والأهم من ذلك كله، إذا حدث خلل في السوق، فإن المنافسة وحدها لن تعالجه. فحرية التعبير سمة مهمة من سمات المجتمع الحر، ولكنها وحدها لا تضمن الحقيقة الموثوقة. وقد تُغرق سيول الأكاذيب الرخيصة الحقيقةَ المكلفة بسهولة بالغة.
تُفاقم التقنيات الحالية المشكلةَ بشكل جوهري. فبينما يبقى إنتاج المعلومات الموثوقة مكلفاً ويصعب تحقيق الربح منه، فإن المحرك الأساسي لشركات التواصل الاجتماعي، الناشرين المهيمنين في عصرنا، هو جذب الانتباه الذي تحققه المنشورات. وقد يكون نشر الأكاذيب والاحتيال تجارةً رابحة. والأسوأ من ذلك، أن نشر منشورات تعكر صفو حياة الناس قد يكون تجارة رابحة أيضاً. وليس هناك على الإطلاق نظرية تبرر هذا النشاط التجاري. بل يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيزيد من معاناتنا الجماعية من خلال ابتكار عمليات احتيال «مثالية» من جميع الأنواع.
إذن، ما العمل؟ هناك ثلاثة خيارات رئيسية متكاملة: دعم إنتاج ونشر المعلومات الموثوقة؛ حماية الملكية الفكرية؛ وتغيير الحوافز. وتدعم الحكومات بالفعل البحث العلمي، وهذا ما ينبغي أن تفعله. وهناك مجال آخر هو الإعلام. وفي حالة المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تم مؤخراً طرح قضيتين كبيرتين. إحداهما، كما أشار ليونيل باربر، رئيس تحرير صحيفة «فاينانشال تايمز» السابق، هي مستقبل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».
وفي رأيي ينبغي أن تلتزم جميع المؤسسات الإعلامية الكبرى بتقديم خدمات عامة، لأن ذلك سيُلزمها بتوفير معلومات عالية الجودة تُفيد الصالح العام. وإذا تعذّر ذلك، فعلينا حماية هيئة البث العامة القائمة. صحيح أنها ليست مثالية، فجميع المؤسسات كذلك، لكن دورها يبقى حيوياً. وأود أن أضيف أنه في مجال الأخبار التلفزيونية، من الضروري أيضاً تجنّب ظهور نسخة بريطانية من قناة فوكس نيوز.
وفيما يتعلق بإنشاء الملكية الفكرية، من المهم رعاية ينابيع الإبداع البشري. وهذا يعني إلزام برامج الذكاء الاصطناعي التي تستخدم البيانات بتعويض أصحاب حقوق النشر التي تستخدمها. بل إنني أذهب هنا إلى أبعد من ذلك، حيث أقترح تخصيص ضريبة مفروضة على شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لدعم المشاع الإبداعي - الفنون والعلوم بل والصحافة - التي يرتكز عليها ازدهارها وازدهار المجتمعات الحرة.
وأخيراً، ينبغي أن نكون سعداء بقرار هيئة محلفين في كاليفورنيا بإدانة شركتي ميتا وغوغل بتهمة «الإهمال» والإضرار بالمستخدمين. فهذه الشركات مُهملة، وقد تمت حمايتها من عواقب الضرر الذي يُلحقه إهمالها، لا سيما بالأطفال.
إن حرية التعبير لم تكن مطلقة قط: فالتشهير والقذف والتحريض على العنف أمور غير قانونية بحق. لذا يجب وضع حدود لحرية التعبير. وينبغي أن ينطبق الأمر نفسه على الشركات التي تنشر مواد ضارة أو دعاية دول معادية. فنحن نسعى جاهدين لوقف تدفق الملوثات إلى مياهنا. ينبغي علينا أن نحاول وقف تدفق الأكاذيب إلى بحار المعرفة أيضاً.
