فالنتينا رومي

مع استمرار التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، تواجه أوروبا احتمال حدوث صدمة اقتصادية، تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، وتجدد التضخم، وضغوط جديدة على الصناعة، لكن القارة تواجه أيضاً مشكلة كبيرة تتفاقم ببطء. إن ضعف الاستثمار في الابتكار يضعف القدرات التنافسية العالمية لأوروبا، وقد تتفاقم النتائج، وفقاً لبيانات الإنفاق الخاص على البحث والتطوير. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي، للفت الانتباه إلى هذه القضية، من خلال تقريره عن القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي، فإن أحدث الأرقام لأكبر 2000 مستثمر في البحث والتطوير في العالم تشير إلى وضع يجب أن يثير الكثير من القلق بالنسبة للاتحاد.

في عام 2024 ارتفع إنفاق الشركات الأوروبية على البحث والتطوير بنسبة 2.9 % فقط بالقيمة الاسمية، وهو أضعف نمو منذ عام 2020، عام جائحة كورونا، ويقارن هذا بزيادة قدرها 7.8 % في الولايات المتحدة و6.3 % عالمياً. ونتيجة لذلك انخفضت حصة الاتحاد الأوروبي من إنفاق الشركات العالمية على البحث والتطوير إلى 16.2 %، بعد أن كانت 16.7 % في عام 2023، وهي نسبة أقل بكثير من نسبة 21.4 % المسجلة في عام 2014. في المقابل فإنه من حيث القيمة استثمرت الشركات الأمريكية ثلاثة أضعاف ما استثمرته الشركات الأوروبية في البحث والتطوير.

هذا الأمر له خطورة بالغة، فقد ركز تقرير دراغي على ضعف استثمارات القطاع الخاص في البحث والتطوير كونه سبباً رئيسياً لتراجع أداء الاتحاد الأوروبي في مجال الابتكار مقارنة بالولايات المتحدة واليابان والصين. وقال ريجيس كورديروي، أستاذ الإدارة الاستراتيجية والابتكار في كلية إدارة الأعمال«إي إس سي بي»: «يبقى السؤال الأهم هو قدرة الاتحاد الأوروبي على تطبيق سياسات موحدة حقيقية، إن لم تكن فيدرالية. ومن دون دفعة قوية في هذا الاتجاه ثمة خطر من الاستمرار في مسار التراجع التدريجي، فتجزئة أوروبا تؤدي إلى تخصيص غير مثالي بالمرة للاستثمارات، ما ينتج عنه نقص في الاستثمار في البحث والتطوير، وفي نهاية المطاف، فجوة تنافسية مستمرة».

وتشير الاتجاهات الحديثة إلى هذا المسار، إذ تستحوذ الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها الآن على ما يقارب نصف الإنفاق العالمي على البحث والتطوير، بينما قلصت الصين الفجوة مع أوروبا بسرعة، وتضاهي الشركات الصينية الآن حصة الاتحاد الأوروبي، بعد أن ضاعفت نسبتها من الإجمالي العالمي أكثر من مرتين منذ عام 2014.

كذلك فإن الصورة القطاعية أكثر إثارة للقلق، وكما أوضح دراغي، يميل الهيكل الصناعي الأوروبي بشدة نحو القطاعات التقليدية، حيث تهيمن مجموعات السيارات على إنفاق الاتحاد الأوروبي على البحث والتطوير، خلال العقدين الماضيين.

في المقابل تحول الاستثمار الأمريكي بشكل حاسم نحو التكنولوجيا، وفي قطاع البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهو قطاع محوري في الموجة الحالية من الابتكار القائم على الذكاء الاصطناعي، انخفض إنفاق الاتحاد الأوروبي على البحث والتطوير بنسبة 9 % في عام 2024، وبات من الصعب الآن العثور على شركات مقرها في الاتحاد الأوروبي في قاعدة البيانات، بينما تستحوذ الشركات الأمريكية على 77 % من إجمالي الإنفاق، ويعد هذا التركيز غير مسبوق في تاريخ قاعدة البيانات الممتد لأكثر من عقدين، حيث تستثمر شركات التكنولوجيا الأمريكية حالياً ما يقارب 17 ضعفاً في البحث والتطوير مقارنة بمنافسيها في الاتحاد الأوروبي.

وهناك الآن «بوصلة التنافسية»، وهي خريطة طريق أطلقت العام الماضي عقب تقرير دراغي، بهدف سد فجوة الابتكار في القارة، وخفض انبعاثات الكربون في الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على الشركاء الأجانب. وتشمل هذه المبادرة استراتيجية الاتحاد الأوروبي للشركات الناشئة والمتوسعة، والتي تهدف إلى تبسيط اللوائح والدعم المالي للشركات الناشئة، واستراتيجية «تطبيق الذكاء الاصطناعي»، المصممة لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاستراتيجية.

ويجري العمل، في الوقت نفسه، على إزالة العوائق في السوق الموحدة، وإنشاء اتحاد للادخار والاستثمار لتمكين تمويل أكثر كفاءة. وقال برنارد ماغينهان، من مركز الأبحاث المشترك، وهو قسم معني بالسياسات في المفوضية الأوروبية: «لا تزال الشركات الأوروبية تواجه صعوبة في جذب الاستثمارات إلى المجالات التي تشتد الحاجة إليها». وأضاف: «تفتقر أوروبا إلى رواد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات اللازمين لدفع عجلة التحول الرقمي، وحماية السيادة التكنولوجية».

وعلى نطاق أوسع يتزايد تركيز الإنفاق العالمي على البحث والتطوير بين عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، فخلال العقد الماضي، ضاعفت خمس شركات تكنولوجيا أمريكية - أمازون، وألفابت، وميتا، ومايكروسوفت، وأبل - حصتها تقريباً بين أكبر 2000 شركة من حيث الإنفاق على البحث والتطوير لتصل إلى حوالي 15 %، وينعكس هذا التركيز أيضاً على الأرباح والمبيعات.

وتظهر البيانات، المستندة إلى الدولة التي يقع فيها المقر التشغيلي للشركات، أن الشركات الأمريكية توسع أيضاً أنشطتها في مجال البحث والتطوير في الخارج، فيما تتضاءل حصة الاتحاد الأوروبي من هذا الاستثمار، مع تحوّل التدفقات نحو الهند والصين.

رغم ذلك هناك بعض المجالات التي تظهر مرونة، حيث ارتفع إنفاق الاتحاد الأوروبي على البحث والتطوير في قطاعي الطيران والدفاع بنسبة 5 % في عام 2024، مدعوماً بزيادة ميزانيات التسلح في أعقاب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022، وتجدد التوترات الجيوسياسي، كما شهد الاستثمار انتعاشاً في قطاعي الرعاية الصحية والطاقة، ما يمثل خطوات مهمة نحو تحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي في خفض الانبعاثات الكربونية، وتقليل مخاطر انقطاع الإمدادات، لكن بشكل عام تبرز أحدث البيانات تحديات كبيرة تواجه جهود الاتحاد الأوروبي لتعزيز تنافسيته، ويأتي هذا قبل ظهور أزمة أخرى: ارتفاع تكاليف الطاقة، الذي يعيد شبح الركود التضخمي إلى الواجهة، ويجعل الاستثمار في التقنيات التنافسية أكثر صعوبة.