يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خفض أسعار النفط، من خلال منشوراته على منصة «تروث سوشيال»، لكن هناك في الوقت نفسه صدمة نفطية خارجة عن سيطرة أي أحد: الارتفاع الكبير لأسعار المنتجات المكررة.
وقد تضاعفت أسعار الديزل ووقود الطائرات تقريباً منذ بداية العام، وفي الولايات المتحدة يقترب سعرهما الآن من 160 دولاراً، و174 دولاراً للبرميل على التوالي، وفقاً لبيانات شركة «أرجوس ميديا»، ويتجاوز هذا الارتفاع بوضوح الزيادة التي سجلتها أسعار النفط الخام، ولو تحرك سعر خام برنت بالتوازي مع سعر وقود الطائرات في أوروبا، لكان سعره الآن يتجاوز 160 دولاراً للبرميل.
قد لا تحظى أسعار المنتجات المكررة بنفس القدر من الاهتمام الإعلامي، الذي تحظى به أسعار النفط الخام، لكنها أكثر أهمية للمستهلكين، لأنها تؤثر على تكاليف الوقود في محطات التعبئة. وفي الواقع شهدت أسعار الوقود في الولايات المتحدة ارتفاعاً حاداً، حيث ارتفع سعر الديزل بنسبة 50 % مقارنة بالعام الماضي ليصل إلى 5.38 دولارات للجالون، وفقاً لتقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وقد يبدو هذا الأمر غريباً للوهلة الأولى، فإغلاق مضيق هرمز يحجب كميات أكبر بكثير من النفط الخام مقارنة بالمنتجات المكررة، إذ صُدِّر ما يقارب 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام مقابل 5 ملايين برميل يومياً من المنتجات المكررة عبر المضيق العام الماضي، بحسب وكالة الطاقة الدولية، لكن في حين أن هناك فائضاً كبيراً من النفط الخام على متن السفن وفي المخزونات فإن مخزون المنتجات المكررة أقل بكثير.
ويضع المستثمرون في حساباتهم مخاطر استمرار هذا الاضطراب لفترة طويلة، وهو ما يفسر سهولة تأثير تصريحات ترامب على السوق، في حين أن بعض المنتجات النهائية باتت بالفعل شبه مستحيلة المنال، ويترجم الفارق الذي اتسع بين أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة إلى هوامش ربح كبيرة لمن يشترون النفط ويعالجونه ثم يبيعونه، ولذلك كان من المنطقي أن تتفوق شركات مثل «ريبسول» و«نيست» على شركات إنتاج النفط.
وإذا استمر الاضطراب في منطقة الشرق الأوسط لفترة طويلة فقد تتغير هذه الأسعار المتقلبة مجدداً، وتشير نظرة عامة على السوق إلى أنه في حال نفاد مخزونات النفط الخام سيحدث نقص حاد في النفط، لكن يمكن أن يكون هناك فائض في طاقة التكرير، وسيرتفع سعر برميل النفط الخام، لكن هامش الربح الذي يمكن لشركات التكرير تحقيقه من تحويله إلى ديزل ومنتجات أخرى سينخفض، وعندها سيستحوذ منتجو النفط على الأرباح بدلاً من شركات التكرير.
هذا بالطبع تبسيط لكيفية تفاعل قوى السوق فلا النفط الخام ولا مصافي التكرير قابلة للاستبدال بشكل كامل، كما أن عدم انتظام حركة الشحن لنقل المنتجات من مكان إلى آخر يُعقّد الأمور، وكذلك الحال بالنسبة للوضع الجيوسياسي بعيداً عن مضيق هرمز نفسه، فقد قامت الصين، التي تمتلك جزءاً كبيراً من طاقة التكرير الفائضة في العالم، بتقليص صادراتها بالفعل.
تسعى معظم دول العالم لتجنب إغلاق كامل ومستدام لهذا الممر المائي الضيق، الذي تتوقف عليه أسعار الطاقة العالمية، ولأسباب وجيهة ستكون لذلك تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي بشتى الطرق، وليس فقط في قطاع الطاقة. وفي غضون ذلك ستواصل الأسواق التحرك بطرق غريبة، سواء أراد ترامب ذلك أم لا.
