رنا فروهر

أبرزت الحرب في الشرق الأوسط نقاط ضعف كبيرة في التجارة والأمن البحريين عالمياً، فقد أدى إغلاق مضيق هرمز، والهجمات الإرهابية الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر قبل شهور، إلى تأثر حركة الشحن العالمية في المنطقة، فضلاً عن توقف نقل إمدادات الطاقة الحيوية.

كما كشف هذا عن حقيقة أنه لا أمريكا ولا العالم مستعدان لمدى سرعة تأثر التجارة العالمية بالاضطرابات الجيواقتصادية.

ومن المثير للدهشة أن العالم ليس مستعداً للتعامل مع مثل هذه الأوضاع بعد، مع أنه يشهد هذا السيناريو مراراً وتكراراً منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.

فقد شهدنا زلزال تايوان عام 1999 الذي عطل إمدادات الرقائق الإلكترونية عالمياً، وأدى إلى إغلاق المصانع في كاليفورنيا وتكساس. كما شهدنا تسونامي اليابان عام 2011 الذي شل أجزاء من سلسلة توريد السيارات العالمية لأشهر.

وكانت هناك بالطبع العديد من الاختلالات في سلاسل التوريد المرتبطة بجائحة كوفيد 19، والتضخم الهائل في أسعار الغذاء والطاقة الذي أحدثته الحرب في أوكرانيا.

الآن يتسبب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصدمة هائلة في سلاسل التوريد، وهذه المرة في قطاع النفط، مع غياب شبه تام للتخطيط المسبق لكيفية إدارة هذا الاضطراب. ورغم كل ما دار من أحاديث بعد الجائحة عن بناء أنظمة اقتصادية مرنة وفعالة يبدو أننا لم نُوفَق في أي منهما.

ولنأخذ بعين الاعتبار أن ترامب اضطر الأسبوع الماضي إلى التنازل عن قانون جونز الذي يعود تاريخه إلى قرن من الزمان، والذي ينص على أن السفن التي بُنيت ورفعت العلم الأمريكي فقط هي التي يمكنها نقل البضائع بين الموانئ الأمريكية.

وهذا القانون بالذات كان دائماً مثيراً للجدل، إذ أدى تراجع القاعدة الصناعية الأمريكية في قطاع الشحن إلى تقليص وفورات الحجم في بناء السفن الأمريكية، فيما أتاح للعديد من شركات بناء السفن الأجنبية تصنيع السفن وإدارة العمليات البحرية بتكلفة أقل من الصناعة الأمريكية.

ويأمل ترامب في خفض أسعار النفط والغاز، ولو مؤقتاً، من خلال السماح للسفن الأجنبية بنقل البضائع بين الموانئ الأمريكية، ما يجعل شحن هذه السلع - التي ارتفعت أسعارها بشكل حاد بسبب الحرب الإيرانية - أرخص.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الإجراء سيُحقق أكثر من مجرد خفض طفيف في أسعار النفط. مع ذلك، فقد أعاد على الأقل فتح النقاش حول قانون جونز.

وتشير ورقة بحثية صادرة عن جامعة فاندربيلت الأمريكية عام 2026 حول تحديات بناء السفن إلى أن «السوق المحمية بموجب قانون جونز لا يمكنها أن تُحفز الانتعاش الصناعي اللازم للتنافسية العالمية دون إصلاحات جذرية واستثمارات عامة ضخمة».

وهذا القانون يُشجع شركات الشحن على إصلاح السفن القديمة التي ترفع العلم الأمريكي بدلاً من بناء سفن جديدة، والتي تُكلف من ثلاثة إلى ثمانية أضعاف تكلفة السفن الأجنبية الصنع.

وتشير الورقة إلى أن «إلغاء قانون جونز يُحقق مكاسب قصيرة الأجل، ولكنه يزيد من الهشاشة على المدى الطويل.

فبدون متطلبات الحماية المحلية، ستلجأ شركات الشحن ببساطة إلى شراء سفن أجنبية الصنع (مدعومة من الدولة) أرخص ثمناً، مما يُفقد الولايات المتحدة قاعدة تصنيعية مهمة».

وفي واقع الأمر هذا ما حدث بالفعل في جميع مجالات الشحن خارج نطاق القانون - إذ تهيمن السفن الصينية على هذه الصناعة الآن.

ويؤكد كل من باحثي جامعة فاندربيلت وورقة بحثية صادرة عن منظمة «أوبن ماركتس» حول كيفية إنقاذ صناعة بناء السفن الأمريكية (وأنا أتفق معهم) أن المشكلة الحقيقية تكمن في فشل الحكومة في توفير مؤشرات طلب قوية لهذه الصناعة من خلال ضمان الدعم على مدى سنوات وعقود.

وضمان إعادة ربط قطاعي بناء السفن العام والخاص، كما يؤكد التاريخ، هو السبيل الوحيد الذي مكّن أي دولة من بناء قوة بحرية كبيرة، وقطاع بحري تجاري قوي، ودفاع بحري فعال.

ويجدر بنا أن نتذكر سبب وجود هذا القانون في المقام الأول. ففي مطلع القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تعتمد بشكل خطير على احتكارات الشحن الأجنبية (بما في ذلك تلك الموجودة في المملكة المتحدة، والتي كانت مدعومة من الدولة). وقد أدت قوة الاحتكار التي تمتعت بها هذه الشركات إلى ارتفاع أسعار شحن السلع الأساسية بما يصل إلى 20 ضعفاً.

ووفقاً لإدوارد هيرلي، رئيس مجلس الشحن الأمريكي آنذاك، «على الرغم من وجود بعض المبررات خلال الحرب العالمية الأولى لهذه الزيادات الهائلة في أسعار التأجير وتكاليف السفن وأسعار الشحن، إلا أنه كان من الواضح أنها كانت مبالغاً فيها بشكل مصطنع».

ويعكس هذا إلى حد كبير القوة الاحتكارية التي تمارسها أكبر مجموعات الشحن في العالم اليوم، بما في ذلك «إم إس سي»، وميرسك، وكوسكو، وهاباج لويد، وغيرها من الشركات التي تسيطر على 90% من طاقة الشحن العالمية.

وبفضل صعود ناقلات النفط العملاقة وشحن الحاويات، باتت مجموعة سفن أقل عدداً وأكبر حجماً تنقل معظم بضائع العالم (90% منها تُنقل بحراً). وهذا نظام بُني على أساس «الكفاءة» لا المرونة، لا سيما في عصر جديد من الحروب.

وإذا كانت السفن هي بالفعل «الرقائق» الجديدة، كما أكدت الإدارتان الأمريكيتان السابقتان، فسيتعين على أمريكا إعادة النظر جذرياً في طريقة تحفيزها وتنظيمها لبناء السفن الجديدة.

والمطلوب هو عدد أقل من ناقلات النفط والسفن العملاقة، وعدد أكبر من السفن الأكثر مرونة ذات الاستخدام المزدوج، والتي يمكن أن تُبنى بالتعاون مع شركاء (فقلّما تستطيع دولة بناء سفنها بمفردها تماماً).

وسواء حدث ذلك أم لا، فإن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز سيزيد من الرغبة في إيجاد ممرات ملاحية جديدة، في القطب الشمالي مثلاً. وفي عالم تسوده صراعات القوى العظمى، تُعدّ المرونة مرادفاً للأمان للعالم.