آلان بيتي

من الواضح أن صوت تصادم التروس وطحنها الذي نسمعه هو صوت النظام التجاري العالمي وهو يحاول بسرعة التكيف مع الحرب الإيرانية التي أحدثت اضطراباً كبيراً.

ومنذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، تعمل شركات الشحن ووكلاء الشحن وشركات الطيران والمصدرون على إعادة تنظيم مساراتهم بشكل محموم، ونقل عمليات الشحن من ميناء إلى آخر، وتحويل الشحنات البحرية إلى البر أو الجو.

ويعاني المصدرون في جميع أنحاء العالم؛ من مزارعي الأرز الهنود، إلى شركات اللحوم البرازيلية، من تكاليف باهظة للتأمين ضد مخاطر الحرب ورسوم «التأخير» للحاويات التي تُجبَر على البقاء لأسابيع في الموانئ.

ولدى شركة إيكيا لتجارة الأثاث بالتجزئة عدة متاجر في المنطقة، وتقول سوزان وايدزوناس، مديرة الإمداد العالمية في شركة إنتر إيكيا، المالكة للعلامة التجارية: «هناك الكثير من العمل الطارئ الذي يجب القيام به في منطقة الشرق الأوسط».

وهناك أيضاً صراع إرادات حول من سيتحمل التكلفة، لذلك فقد سارعت الحكومة الصينية، التي تُعد صادراتها ذات أهمية وجودية لاقتصادها، إلى استدعاء عملاقي الشحن البحري «إم إس سي» و«ميرسك» لتحذيرهما من رفع أسعار الشحن.

لكن هل تمثل كل هذه الاضطرابات ضربة قاضية، أو دليلاً على خلل جوهري في نظام التجارة الحديث؟ كلا. فالمحور الأساسي لشبكات القيمة العالمية شديدة المرونة لا يزال قائماً.

وبعد عشرة أو عشرين عاماً من الآن، وفي غياب حرب عالمية أو أي اضطراب هائل آخر في النظام الدولي، لن تكون العولمة قد نجت فحسب، بل ستساعد الاقتصادات أيضاً على تجاوز صدمات الطاقة بسهولة أكبر تدريجياً.

وسيعتمد أداء تجارة السلع خلال السنوات المقبلة على رد فعل الاقتصاد الكلي على صدمة الطاقة.

وسيؤثر الركود العالمي سلباً على التجارة بالطريقة الدورية المعتادة، ولكن على المدى الطويل ستساعد التجارة في تخفيف حدة الاضطراب بدلاً من تفاقمه.

ولا يزال الوقت مبكراً، لكن الزيادات في تكاليف الشحن التي شُوهدت حتى الآن تبقى أقل بكثير مما كانت عليه بعد رفع إجراءات الإغلاق بسبب جائحة كوفيد19 أو حتى بعد اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية، وقد اقتصرت إلى حد ما على الشرق الأوسط.

ومن الواضح أن هناك ارتفاعاً هائلاً في أسعار تأمين الشحن في المنطقة، لكن غالبية حركة الحاويات بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس والتي كانت تسلك طريقاً ملتفاً حول الطرف الجنوبي لأفريقيا بعد هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر عام 2023، لم تعد إلى مسارها السابق حتى الآن.

هذا الأمر تؤكده سوزان وايدزوناس التي تشير إلى أن شركة إيكيا لا تزال تنقل بضائعها من أوروبا إلى الشرق الأوسط عبر أفريقيا، رغم طول الرحلة. وتشير شركة فريتوس، المتخصصة في إدارة سلاسل التوريد، إلى بعض التقارير التي تفيد بأن السوق تقاوم إضافة تكاليف أعلى إلى أسعار الحاويات خارج منطقة الخليج. إن تجارة الحاويات لن يهددها بشكل جذري إلا ارتفاع هائل في أسعار الوقود.

ويشير إميل ناوس، الشريك في شركة بيرينغ بوينت للاستشارات في مجال سلاسل التوريد، إلى أن ارتفاع سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل لن يضيف سوى 100-200 دولار إلى أسعار حاوية الشحن بطول 40 قدماً على طريق رئيسي مثل طريق آسيا- أوروبا، والتي كانت تتراوح بين 2000 و3000 دولار قبل الحرب الإيرانية.

وتحمل الحاوية المتوسطة من هذا النوع بضائع بقيمة 100 ألف دولار تقريباً، بينما تحمل أكبر سفن الحاويات ما يصل إلى 12 ألف حاوية.

ويقول خبراء سلاسل التوريد إن الصدمات التي شهدها العقدان الماضيان أجبرت شركات الشحن على أن تكون أكثر مرونة، على سبيل المثال من خلال زيادة استخدام عمليات الشحن العابر للتعامل مع الاضطرابات.

وقد أدت هذه التغييرات إلى ظهور بعض أوجه القصور، لكن تأثير ارتفاع التكاليف على شبكات الإنتاج كان محدوداً.

ويقول إميل ناوس: «كانت هناك بعض عمليات إعادة التوطين الانتقائية، لكن وفورات الحجم لا تزال هائلة. فتكلفة نقل حاوية من شنغهاي إلى أوروبا أقل من تكلفتها من المملكة المتحدة إلى إيطاليا».

وقد أصبح المصدرون أكثر قدرة على التكيف. وتقول وايدزوناس من إيكيا في هذا السياق إن الشركة اضطرت إلى تعلم كيفية تخطيط المبيعات والإمداد على مختلف الآفاق الزمنية.

إن مستقبل العولمة على المدى البعيد يبدو أكثر استقراراً من المدى القريب، لا سيما إذا تم استخلاص الدروس. ولا يخفى على أحد أن بعض الدول تتلقى ضربة من صدمة النفط أقل حدة بفضل توجهها نحو التكنولوجيا الخضراء.

وعلى سبيل المثال أصبحت باكستان نموذجاً يحتذى به في تبني الطاقة الشمسية على أسطح المنازل على نطاق واسع، ما ساعدها على مواجهة ارتفاع فاتورة استيراد الغاز الطبيعي المسال بشكل حاد.

كما زادت حصة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الطاقة في أوروبا بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب بين روسيا وأوكرانيا. وهكذا، فإن الحرب الإيرانية ستزيد بشكل كبير من جاذبية الاستفادة من السوق العالمية الضخمة لتكنولوجيا الطاقة المتجددة، وخاصةً من الصين، كما فعلت باكستان.

إن الجمع بين الابتكار المذهل للقطاع الخاص في مجال الشحن والخدمات اللوجستية، والتدخل الحكيم من جانب الحكومات في قطاع الطاقة، كفيل بالتخفيف من حدة الصدمة الحالية والتحوط ضد أي صدمة قادمة.

ويشهد قطاع الشحن البحري حالياً اضطرابات، لكنه سبق له أن واجه ما هو أسوأ. وقد أثبتت الحكومات قدرتها على التعلم بسرعة فائقة عندما تُبرز الصدمات الكبيرة الكلفة العالية لعدم التكيف.