مايكل هايغ

ينعكس حجم الاضطراب الهائل في إمدادات الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط على أسواق النفط العالمية بدرجات متفاوتة. 

ولا يعد خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، وهما أشهر مؤشرات أسعار النفط، أفضل مقياس لقياس مدى الصدمة، إذ يمثلان أسواق حوض الأطلسي، وليس المنطقة التي تشتد فيها حدة الضغط.

وقد شهدت أسعار النفط في الشرق الأوسط، مثل خامي دبي وعمان، ارتفاعاً كبيراً يفوق المؤشرات العالمية بكثير، حيث وصل سعر البرميل الفوري إلى ما يقارب 170 دولاراً. ويؤكد هذا التسعير المرتفع للغاية مدى شح إمدادات النفط من المنطقة.

ويعزى جزء كبير من هذا الضغط إلى طرق التجارة نفسها. فمعظم النفط الخام الذي يمر عبر مضيق هرمز موجه إلى مصافي التكرير الآسيوية، وتحديداً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

ومن بين أكبر أربعة مستوردين للنفط الخام في المنطقة، تعد اليابان وكوريا الجنوبية الأكثر تأثراً بمضيق هرمز، حيث استوردتا تاريخياً 81 و62 % من نفطهما على التوالي من هذا المضيق.

ومن حيث أيام التغطية - أي عدد الأيام التي يمكن للدولة الاعتماد فيها على مخزوناتها النفطية قبل نفادها - تعد الهند وكوريا الجنوبية الأكثر عرضة للخطر بين الدول الأربع الكبرى المستوردة للنفط. إذ تبلغ مدة تغطية مخزوناتهما من نفط هرمز 74 و73 يوماً على التوالي.

وبالنسبة للعديد من الدول المستوردة للنفط في جنوب شرق آسيا، بما فيها الفلبين وميانمار وفيتنام، فلديها احتياطيات أقل بكثير، وهي بصدد اتخاذ تدابير لإدارة الضغط، كما هي الحال في معظم الاقتصادات الآسيوية.

ويمر الوقت سريعاً، وقد بدأ الضغط يظهر جلياً مع ارتفاع أسعار المنتجات النفطية المكررة في جميع أنحاء المنطقة، وارتفاع أسعار النفط الخام الفورية إلى مستوى يهدد بكبح الطلب. إن الحكومات في آسيا والمحيط الهادئ ليست متهاونة بالمرة تجاه هذا الأمر. فقد اتخذت دول عدة إجراءات سريعة بتقنين الوقود أو الحد من الاستهلاك غير الضروري.

وفرضت ميانمار نظام التزود بالوقود يوماً بعد يوم، وشنت حملات صارمة لمكافحة الاحتكار، بينما تقيد بنغلاديش مبيعات الديزل، وتقنن الغاز، وتغلق مصانع الأسمدة للحفاظ على المواد الخام. وقد فعلت الهند صلاحيات الطوارئ لزيادة إنتاج غاز البترول المسال إلى أقصى حد، وتحويل الوقود من المستخدمين الصناعيين إلى المنازل.

وتتخذ دول أخرى، مثل الفلبين وتايلاند، إجراءات لإدارة الطلب تتراوح بين تقليص ساعات العمل الأسبوعية في القطاع العام، وفرض العمل من المنزل، وصولاً إلى توجيه موظفي الخدمة المدنية بترشيد استهلاك الوقود.

وتقوم حكومات عدة، من بينها إندونيسيا واليابان، بتخفيف الأثر من خلال الدعم أو تحديد سقف للأسعار، بينما خفضت فيتنام رسوم الاستيراد وفعلت صناديق الاستقرار.

كما تتخذ دول كثيرة خطوات على مستوى العرض أو خطوات إدارية لتأمين كميات إضافية من الوقود أو تسهيل التوزيع المحلي.

أوقفت الصين صادرات الوقود المكرر لإعطاء الأولوية لسوقها المحلي، وخففت أستراليا معايير جودة الوقود للسماح باستيراد المزيد مع توجيه كميات إضافية من الديزل إلى المناطق المتضررة من النقص.

وتشترط كوريا الجنوبية الآن على مصافي التكرير تلبية الحد الأدنى من أحجام الإمداد المحلي، وحددت سقفاً لأسعار البنزين بالجملة.

واعتمدت دول أخرى تدخلات أكثر استهدافاً: فقد حظرت سريلانكا تعبئة عبوات الوقود المحمولة للحد من التخزين، وتحث سنغافورة على زيادة كفاءة الطاقة لتقليل استهلاك الغاز الطبيعي المسال، وكثفت تايوان مشترياتها من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة.

في أسواق جنوب شرق آسيا الأصغر حجماً، مثل بروناي والفلبين وفيتنام، تكثف السلطات جهود المراقبة، وتلجأ إلى الاحتياطيات الطارئة، أو تبحث عن قنوات إمداد بديلة من الشرق الأوسط والهند.

ورغم أن الولايات المتحدة في وضع أفضل من العديد من الاقتصادات الأخرى بفضل إنتاجها المحلي، إلا أنها ليست بمنأى تماماً عن الصدمة.

فالخيارات المتاحة لها لتخفيف ضغوط سوق الوقود تحمل في طياتها مزايا وعيوباً. وقد تم الاتفاق على الإفراج عن النفط الخام من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي للبلاد، إلا أن هذا الإجراء سيستغرق وقتاً طويلاً ولن يوفر سوى راحة مؤقتة.

ومن شأن التنازل الأخير عن قانون جونز - الذي يلزم بنقل البضائع بين الموانئ الأمريكية بواسطة سفن أمريكية - أن يسرع شحنات الوقود المحلية، ما يحسن الخدمات اللوجستية. لكن من المعتقد أن تأثيره الإجمالي على الإمدادات محدود.

ويوفر خفض الضرائب على البنزين بعض الراحة للمستهلكين، لكنه مقيد على المستوى الفيدرالي ويقلل من إيرادات صندوق النقل.

كما أن تخفيف القيود الصيفية على وقود E15 يوسع بشكلٍ طفيفٍ إمدادات البنزين من خلال زيادة مزج الإيثانول، ولكنه لا يوفر سوى هامش أمانٍ ضئيل.

وأخيراً، فإن تقييد صادرات النفط الخام والمنتجات النفطية سيخفض الأسعار المحلية مبدئياً عن طريق حصر البراميل في الداخل، ولكنه سيحدث اضطراباً كبيراً على المستوى العالمي.

قد تكون جميع الإجراءات التي اتخذتها الدول بالفعل بداية لما هو قادم إذا كانت إشارات أسواق الخيارات دقيقة.

ففي الأسبوعين الماضيين، كان هناك تراكم كبير لخيارات الشراء - التي تعطي حاملها الحق، وليس الالتزام، بشراء عقد آجل أساسي - مقارنة بخيارات البيع، التي تعطي حاملها الحق في بيع عقد آجل. وخلال الأسبوع الأول من النزاع، كان الوضع معكوساً.

عموماً، يشير ذلك كله إلى أن الاعتقاد السائد في الأسواق هو أننا مقبلون على مزيدٍ من الارتفاع في أسعار النفط بدلاً من الانخفاض.