آندي هالدين
منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، تعيش الاقتصادات والأسواق المالية حالة من الاضطراب، لكن يُعدّ قطاع الطاقة البؤرة الاقتصادية لهذا الصراع. فقد أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى حرمان العالم من خُمس إمداداته النفطية، أي ما يقارب 20 مليون برميل يومياً.
وهذا ما يجعل هذه الصدمة الأكبر التي يشهدها سوق النفط العالمي، فقد تسببت في تقلبات حادة في أسعار النفط خلال يوم واحد، وأدت إلى إطلاق كميات هائلة من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية.
سعياً لفهم تداعيات الصراع الحالي، استعان المحللون بتجارب أزمات النفط والجيوسياسية السابقة، لاستلهام الأفكار ووضع سيناريوهات بديلة. وربما يوجد مثال حديث يُقدم بعض الدروس المفيدة، ويُعطي، ظاهرياً، بعض الطمأنينة حول كيفية استجابة الاقتصادات والأسواق المالية.
قبل عام تقريباً، شهد العالم يوماً آخر من الصدمة، عندما أعلنت الولايات المتحدة عن فرض تعريفات جمركية عقابية تحت مسمى «يوم التحرير». آنذاك، كما هي الحال الآن، كان مصدر ذلك رئيس الولايات المتحدة. وتشابهت الآثار المباشرة بشكل لافت: انخفضت أسعار الأصول انخفاضاً حاداً، وتراجعت شهية المخاطرة، وخُفِّضت توقعات النمو، وتضخمت احتمالات حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة.
لكن ما حدث لاحقاً كان مفاجئاً بنفس القدر. فبحلول نهاية عام 2025، كانت أسعار الأسهم العالمية أعلى بنحو الخمس مما كانت عليه في بداية العام. وتجاوزت توقعات النمو للعام بكامله توقعات بداية العام. وعلى عكس التوقعات بالركود، كانت الولايات المتحدة تشهد ازدهاراً. وبحلول نهاية العام، حلّت المرونة الاقتصادية والازدهار المالي في أسهم التكنولوجيا والائتمان الخاص والقروض ذات الرافعة المالية، محلّ حالة عدم الاستقرار المالي والاقتصادي الحاد.
والتفسير الموجز لهذا التحول الاستثنائي، هو أن موجة التكنولوجيا المتصاعدة طغت على موجة التعريفات الجمركية المتراجعة، حاملةً معها شهية المخاطرة والنمو. وهذا يثير التساؤل: هل يُعيد التاريخ نفسه؟ هل عام 2026 مجرد نسخة أكثر ثراءً بالنفط من عام 2025؟ وهل يُمكن أن تُفاجئنا مرة أخرى مرونة الاقتصاد العالمي وازدهار الأسواق المالية؟
كلا. ستُخلّف صدمة اليوم والحرب آثاراً أعمق وأكثر ديمومة من صدمة العام الماضي. في عام 2025، كانت ضغوط التضخم تتراجع، وتمكنت البنوك المركزية عالمياً من خفض أسعار الفائدة، للتخفيف من أثر الرسوم الجمركية على الطلب العالمي. لكن مع عودة أسعار الطاقة للارتفاع، فُقد هذا الخيار: تُشير الأسواق إلى ارتفاع أسعار الفائدة في منطقة اليورو والمملكة المتحدة، بينما لا يوجد أي تخفيف فوري في الولايات المتحدة.
في الواقع، تخشى الأسواق المالية من استمرار الضغوط التضخمية، حتى بعد انتهاء النزاع. وإلى جانب تزايد الضغوط المالية، بما في ذلك زيادة الإنفاق الدفاعي، فقد أدى ذلك إلى ارتفاع عوائد السندات العالمية طويلة الأجل، على عكس ما كانت عليه الحال في عام 2025. وستؤدي الظروف النقدية الأكثر تشدداً على امتداد منحنى العائد، إلى مزيد من الضغط على الطلب العالمي.
ولا يقتصر هذا التشدد على أسعار الفائدة «الآمنة». فقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية تراجعاً في المخاطرة، لا سيما في أسواق الأصول الواعدة (أسهم الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة)، والأسواق الناشئة (الائتمان الخاص والقروض ذات الرافعة المالية)، ما كشف عن ثغرات في معايير الاكتتاب والتقييمات. في هذه الأسواق، انتهى عهد البراءة بشكل حاسم.
في غضون ذلك، تتفاقم المشاكل في أسواق العمل المحلية في الغرب. ففي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تُفاقم خسائر الوظائف المتزايدة مخاوف المستهلكين. وهذا الأمر يُعرّض العديد من الأسر لصعوبات مالية، في حين تواجه صدمة كبيرة أخرى، تتعلق بتكاليف المعيشة المرتبطة بالطاقة، إضافةً إلى الزيادة التي بلغت 20 % منذ عام 2022.
لكن هل يُمكن أن يأتي قطاع التكنولوجيا لإنقاذ الموقف، كما حدث في عام 2025؟ إن الذكاء الاصطناعي يعد أكثر التقنيات استهلاكاً للطاقة. ويُهدد عالمٌ يتسم بارتفاع أسعار الطاقة وعدم استقرارها، بتعطيل مسيرة التكنولوجيا مؤقتاً، أو على الأقل إبطاؤها، وبالتالي، تعطيل أقوى محرك للنمو العالمي.
تُشكل هذه العوامل مجتمعةً قوى ركود تضخمي هائلة. فقد كانت موجات التكنولوجيا والتعريفات الجمركية في العام الماضي مُحايدة ومُهدئة اقتصادياً ومالياً. أما هذا العام، فإنّ تصادم هذه الموجات، يُضخّم الوضع ويُصعّده. وهذا يُنذر بعدم الاستقرار، لا بالهشاشة، اقتصادياً ومالياً وسياسياً. ولذلك، فإنّ الوضع هذه المرة مختلف.
