كاتي مارتن

أكد أحد كبار المتداولين في السندات في لندن، أنه يشعر بالخوف أكثر مما هو معتاد. ومن النادر أن يشعر المتداولون المخضرمون بالذعر، بعد أن نجوا من نصيب وافر من أزمات الأسواق، ويعرفون جيداً أن لا داعي للذعر. لكن الوضع الحالي للسوق يُثير القلق الشديد، ليس لأن النظام المالي في حالة انهيار، بل لأنه ليس كذلك.

الأسواق، بطبيعة الحال، متوترة. وقد تسببت الحرب الإيرانية في ارتفاع أسعار النفط، وتراجعت أسعار الأسهم والسندات الحكومية. وتعرضت بعض القطاعات المتخصصة في السوق، مثل الأسهم الكورية وسندات الدين الحكومية الأوروبية قصيرة الأجل، لضربات قوية، وواجه تداول السندات في بعض الأحيان بعض الاضطرابات الطفيفة. ومع ذلك، يبقى الأمر الأهم هو انتظام الوضع. وهذا أمر مُقلق، كما قال المتداول. «هناك قدر من التراخي. وأكبر مخاوفي هو أن الأسواق لا تزال تعمل على افتراض أن الوضع لن يخرج عن السيطرة».

ويتوقف كل شيء على ما إذا كان سعر النفط سيستقر عند مستواه الحالي تقريباً - حوالي 100 دولار للبرميل - أم سيرتفع بشكل حاد. ويتطلع مديرو الصناديق إلى تجار النفط بحثاً عن إجابات، بينما يتطلع تجار النفط إلى خبراء الجغرافيا السياسية. ويتابع خبراء الجغرافيا السياسية سيل التصريحات المتضاربة من المسؤولين الأمريكيين، ويتساءلون عن حدود دونالد ترامب الحقيقية لسعر النفط. جميعهم يتوصلون إلى نفس النتيجة: لا نعلم.

ويكمن الخطر الرئيس في أنه على عكس صدمة الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة على مستوى العالم قبل عام تقريباً، فإن الرئيس دونالد ترامب غير قادر على إيقاف هذا الوضع. وتقول إيران إنه يمكنها خنق الإمدادات العالمية من النفط، عن طريق إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، فهل تستطيع القيام بذلك؟ مرة أخرى، لا نعلم.

ويُنظر إلى سعر النفط عند 120 إلى 130 دولاراً للبرميل، على أنه نقطة ضعف خطيرة للاقتصاد العالمي. لكن في أسوأ السيناريوهات، قد تكون هذه مجرد البداية. وتقول كريستينا هوبر كبيرة استراتيجيي السوق في مجموعة صناديق «مان» للتحوط: «لدينا خبراء اقتصاديون يتوقعون وصول السعر إلى 200 دولار. برأيي، الأسواق تُقيّم هذا السعر بشكل خاطئ. فالأسواق المنظمة تُخفي مواطن الضعف».

يكمن جزء من المشكلة، في أن التاريخ، في أحسن الأحوال، ليس دليلاً موثوقاً. ففي نهاية المطاف، ارتفع سعر خام برنت إلى 139 دولاراً للبرميل في الفترة التي أعقبت جائحة كوفيد 19، وبعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، بل وتجاوز ذلك خلال طفرة النمو الاقتصادي الصيني قبل الأزمة المالية عام 2008. حتى الآن، لم نصل إلى هذه المرحلة. ولم نشهد ارتفاعاً في أسعار النفط يقارب أربعة أضعاف ما كان يُسبب الركود في سبعينيات القرن الماضي. إننا نشهد وضعاً مشابهاً، لكن بصورة مختلفة.

في الواقع، هذه هي الحال في العديد من الضغوط الكبيرة التي تُعاني منها الأسواق المالية اليوم.

وقال أنطون إيسر كبير مسؤولي الاستثمار في شركة روبيكو الهولندية لإدارة الأصول: «في الجغرافيا السياسية، هذا ليس عقد السبعينيات من القرن الماضي. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، هذه ليست طفرة شركات الإنترنت. وفي مجال الائتمان الخاص، هذا ليس عام 2008». وهو محق. لكنه أضاف: «لدينا بعض من كل ذلك. لكن لا يمكنك أبداً التنبؤ بما سيدفع المستثمرين من القلق إلى الذعر».

ورغم أهمية الحرب في إيران، إلا أنها ليست حتى الآن الشغل الشاغل للمستثمرين. فلا تزال الشكوك قائمة حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يُمثل فقاعة في أسعار الأصول، أم أداة فعّالة تُؤدي إلى فقدان الوظائف، أو ربما كليهما، لكننا نعلم أن أحدث بيانات التوظيف من الولايات المتحدة، ترسم صورة مُقلقة.

وفي ما يخص الائتمان الخاص، تتوالى الأخبار المقلقة. وقد يظل ضعف التدقيق المالي والإقراض المفرط، سمة بارزة في هذا القطاع، وليس مجرد عيب فيه، كما أن أنباء عرقلة الصناديق لخروج المستثمرين الراغبين في التخارج، لا تبشر بالخير بالمرة.

وكما أكد لي أحد المسؤولين التنفيذيين في أسواق رأس المال الخاص مؤخراً، فإن التفاصيل مهمة للغاية. فهناك صفقات جيدة وصفقات سيئة، ومديرون أكفاء ومديرون غير أكفاء، وثمة تعقيدات جوهرية، تتعلق بالشروط التي وافق بموجبها المستثمرون النهائيون على الدين.

وأضاف قائلاً: «يتم إهدار الكثير من الأموال». وهذا صحيح. لكن من الصحيح أيضاً أنه أحياناً في الأزمات الخطيرة، لا أحد يكترث. وأي جملة تبدأ بـ«الوضع ليس كأزمة 2008 لأن...»، تُعد وضعاً سيئاً لأي مدير ائتمان.

وربما يكون الشبيه التاريخي الأكثر إثارة للقلق، هو الأحدث: انهيار كوفيد 19 عام 2020. حينها ضربت الأزمة، وتراجعت الأسواق، وافترض المستثمرون أن الضغط سيزول سريعاً. أكد لنا محللو وول ستريت، أن المخاوف من الفيروس «تتلاشى» قبل أسابيع قليلة من وقوع الكارثة. (وكما أشرتُ حينها، قد يتضح أن النور في نهاية النفق، هو نور قطار مسرع). وفي مارس 2020، ومع تراجع الأسواق بشكل حاد، خفضت الولايات المتحدة أسعار الفائدة إلى الصفر ليلة الأحد. وفي اليوم التالي انخفضت الأسهم الأمريكية بنسبة 12 % أخرى.

إن الأمل لا يزال قائماً في إعادة فتح مضيق هرمز بشكل فعلي، والأهم من ذلك، في إحلال السلام في الشرق الأوسط. لكننا نعلم شيئاً واحداً على وجه اليقين: المستثمرون دائماً ما يعتقدون أن الأزمات ستزول، وأحياناً لا يحدث ذلك.