ريان ماكمورو
تعليم الروبوت مختلف عن الطلاب العاديين إذ عليك تكرار الفعل مئات بل آلاف وحتى عشرات الآلاف من المرات
في منشأة جديدة تغطي مساحة تصل إلى 12,000 متر مربع في ووهان بالصين، يقضي خريجون صينيون أوقاتاً طويلة في قيادة روبوتات بشرية تُقدّم الفطائر المطهوة على البخار، وتمسح الطاولات، وتطوي الملابس.
وتسجل كاميرات وأجهزة استشعار كل حركة تقوم بها هذه الآلات داخل مطابخ وغرف نوم، على غرار المختبرات، بلغت تكلفتها 200 مليون يوان صيني (29 مليون دولار أمريكي)، بواسطة. ويُعدّ مركز هوبي للابتكار في مجال الروبوتات البشرية، واحداً من عشرات مراكز تدريب الروبوتات الممولة من الدولة، والتي انتشرت في جميع أنحاء الصين، لبناء قاعدة بيانات ضخمة، خاصة بتدريب الروبوتات.
ويقول تشانغ جيا مدير أحد البرامج، وهو يبلغ من العمر 21 عاماً: «نحن أشبه بالمعلمين، والروبوتات هم طلابنا. عندما تُعلّم إنساناً، فإنه يستوعب الأمر بعد بضع مرات من التكرار. لكن تعليم الروبوت مختلف، إذ عليك تكرار الفعل مئات، بل آلاف، وحتى عشرات الآلاف من المرات». ويأمل المسؤولون أن يُسهم جمع هذه البيانات في مساعدة صناعة الروبوتات البشرية الناشئة على التغلب على التحديات الرئيسة، التي تواجه الذكاء الاصطناعي، مع انتقاله من نطاق البرمجيات إلى العالم المادي.
ويُعدّ هذا الجهد جزءاً من مساعي الرئيس شي جين بينغ، لجعل الصين القوة العظمى الرائدة عالمياً في مجال العلوم والتكنولوجيا. وخلال الأسبوع الماضي، حدّدت بكين «الذكاء المُجسّد»، كواحد من ستة قطاعات مستقبلية يجب تعزيزها في خطتها الخمسية 2026 - 2030، داعيةً إلى تطوير مراكز تدريب ونماذج ذكاء اصطناعي، وأجهزة لتسريع طرح الروبوتات البشرية.
ويقول الخبراء إن نقص بيانات التدريب الخاصة بالروبوتات، لا يزال يُمثّل عقبة رئيسة أمام ترجمة التطورات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات عملية في مجال الروبوتات. وتتم تغذية نماذج اللغة الضخمة التي تدعم شات جي بي تي و«ديب سيك»، بكميات هائلة من النصوص المُستخرجة من الإنترنت، لكن لا يزال جمع بيانات الروبوتات في مراحله الأولى.
تستخدم الشركات في الصين والولايات المتحدة الأمريكية مجموعة متنوعة من الأساليب لجمع بيانات التدريب، بما في ذلك التطبيقات العملية، والمحاكاة، واستخدام البيانات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد استكشفت شركة تسلا استخدام مقاطع فيديو توضيحية بشرية، للمساعدة في تدريب روبوتها «أوبتيموس»، بينما تسعى شركة «ون إكس تكنولوجيز» الناشئة في وادي السيليكون، إلى وضع روبوتات في المنازل، يتم التحكم بها جزئياً عن بُعد بواسطة البشر أثناء تعلمها.
وتشمل خطة بكين متعددة السنوات لصناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر، توسيع نطاق تدريب الروبوتات وجمع البيانات. وتضخ الحكومات المحلية، من مدينة هانغتشو الساحلية الغنية إلى مدينة ميانيانغ الداخلية الصغيرة، أموالاً طائلة لإنشاء مراكز تدريب جديدة. وقد كشفت مقاطعة هوبي، التي تضم مختبر ووهان، عن صندوق حكومي بقيمة 10 مليارات يوان صيني، مخصص للروبوتات الشبيهة بالبشر.
وقال جاي هوانغ رئيس قسم التقنيات الصناعية الآسيوية في مجموعة بيرنشتاين للأبحاث: «من الواضح أن الصين أصبحت أكثر ذكاءً في كيفية دعمها للصناعات الناشئة التي تواجه معوقات، وهذا ما تفعله من خلال مراكز جمع البيانات. وتدعم الحكومة مشاركة البيانات، وهو ما يعود بالنفع على الجميع. إنه يدفع الجميع للعمل في الاتجاه نفسه».
في ووهان، يُشرف تشانغ جيا على 70 مُدرّباً شاباً، يعملون بنظام مناوبات لمدة ثماني ساعات، لتدريب 46 روبوتاً. وهم يستخدمون أجهزة تحكم عن بُعد، أو أجهزة محمولة مزودة بمستشعرات لتشغيل الآلات، مُكررين الحركات نفسها مراراً وتكراراً.
في مكان قريب، تراجع صفوف من الموظفين مُخرجات الفيديو، ويُضيفون تعليقات توضيحية كل بضع ثوانٍ من اللقطات، مثل «الدوران لليسار» أو «مدّ الذراع». ويُنتج الموقع حوالي 100 ساعة من البيانات القابلة للاستخدام يومياً، وفقاً لتشانغ. وقال: «نجمع البيانات ونُنظّمها، ثم نُحمّلها على منصتنا، حيث نُصنّفها ونُعالجها. لكننا ما زلنا في المرحلة الاستكشافية».
تعتمد الفكرة على إمكانية تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بالروبوتات - والتي تُعرف في هذا المجال بنماذج «الرؤية واللغة والحركة» - بسلسلة من قراءات المستشعرات، ومقاطع الفيديو التي ترصد مواقع وسرعات وعزوم أجزاء الروبوت أثناء حركتها.
ويهدف هذا الأسلوب إلى محاكاة الإنجازات التي حققتها نماذج اللغة الكبيرة في مجال الروبوتات. وقد يُفضي ذلك إلى تمكين الآلات من اكتساب مهارات أكثر عمومية، مثل التقاط زجاجة ماء، دون الحاجة إلى برمجتها خصيصاً لهذا الغرض.
وقال تشاو شيانغ أحد مؤسسي شركة موتفيز الناشئة، التي طورت منصة لمحاكاة الذكاء المجسد: «إن الحصول على البيانات على نطاق واسع، ليس أمراً سهلاً بالمرة». ويرتدي مهندسون شباب في مختبرهم المدعوم من الدولة في ووهان، نظارات الواقع الافتراضي لتدريب الروبوتات، ما يسمح لشركة موتفيز بجمع البيانات بكفاءة أكبر، وبتكلفة أقل. وأوضح تشاو: «المحاكاة ضرورية. وقد يتطلب تحقيق اختراق في مجال الذكاء، مئات الملايين أو حتى تريليونات الساعات من البيانات».
ويشير خبراء إلى وجود تحدٍّ جوهري آخر يلوح في الأفق أمام هذه الطموحات: ففي الوقت الحالي، لا يمكن استخدام البيانات التي يتم جمعها من روبوت واحد بسهولة لتشغيل روبوت آخر بمكونات مختلفة. وقال هوانغ من شركة بيرنشتاين، إن قابلية نقل البيانات لا تزال مجالاً نشطاً للبحث، مع توقع إحراز تقدم. فعلى سبيل المثال، أظهرت نماذج الذكاء الاصطناعي للروبوتات التابعة لشركة جوجل ديب مايند، نتائج واعدة في نقل بعض المهارات بين منصات الأجهزة المختلفة.
وتشير شركة بيرنشتاين إلى أن قابلية نقل البيانات لا تزال مجالاً خصباً للبحث، مع توقع إحراز تقدم. فعلى سبيل المثال، أظهرت نماذج الذكاء الاصطناعي للروبوتات التابعة لشركة جوجل ديب مايند، نتائج واعدة في نقل بعض المهارات بين منصات الأجهزة المختلفة.
تم تحديد نهج الصين في وثيقة استراتيجية صادرة عن وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات لتطوير صناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر، حتى نهاية عام 2027. وتُحدد الخطة قواعد بيانات التدريب واسعة النطاق، والبيانات متعددة الوسائط عالية الجودة، كعناصر أساسية لبناء «عقل» الروبوتات الشبيهة بالبشر. وقد سارعت الحكومات المحلية إلى دعم البرنامج، بهدف خلق فرص عمل ودعم الصناعات المستقبلية في مناطقها.
لكن حتى كبار باحثي الروبوتات والمهندسين القائمين على جمع البيانات، أشاروا إلى أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيحقق المكاسب التكنولوجية المرجوة. وهناك فائدة ملموسة واحدة: فقد ساهمت مشتريات الروبوتات من قبل مراكز جمع البيانات، في دعم مصنعي الروبوتات البشرية في الصين، في حين أن الطلب الفعلي على أجهزتهم لا يزال في طور الظهور.
واشترى مركز ووهان عشرات الروبوتات من شركة «أجيبوت»، التي تتخذ من شنغهاي مقراً لها، بسعر 350 ألف يوان صيني للروبوت الواحد. ويُقدّر محللو بيرنشتاين أن مبيعات جمع البيانات، شكلت حوالي خُمس شحنات الروبوتات البشرية التي بلغت أكثر من 20 ألف شحنة في الصين العام الماضي.
