كريس جايلز

صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن حرب إيران ستنتهي «قريباً جداً». لكن لا أحد يدري ما إن جاءت هذه التصريحات كرد فعل على اضطرابات السوق وارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، أم على الوضع الميداني في منطقة الخليج.

وحتى الآن لا يزال منتجو النفط والغاز في الخليج غير قادرين على التصدير عبر مضيق هرمز. ولذلك، فإنه من منظور اقتصادي، تعد هذه صدمة عرض بحتة. وهي تختلف عن الصدمة التي تسبب فيها اشتعال الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فقد حدثت تلك الصدمة في أعقاب الجائحة، وأدت إلى زيادة الطلب بالتزامن مع انخفاض إمدادات الطاقة. وصدمة العرض البحتة تعد بحد ذاتها ضربة للناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي تُضعف الاقتصاد العالمي.

إلى جانب ذلك، يتمثل الأثر الرئيسي لصدمة الطاقة في إعادة توزيع الأموال من مستهلكي الطاقة إلى المنتجين. وسيكون الرابح هم المنتجون القادرون على تزويد السوق، ما يعني أن الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما سيرفعون الإنتاج على الأرجح. أما الخاسرون فهم المستهلكون في كل مكان، بما في ذلك الولايات المتحدة، والدول المستوردة للطاقة، لا سيما في أوروبا وآسيا.

ومن المحتمل أن تكون عملية إعادة التوزيع هذه واسعة النطاق، وأن يكون لها آثار اقتصادية خطيرة، وذلك تبعاً لحجمها ومدتها وردود فعل الشركات والأسر والبنوك المركزية. لذلك، يجب التأكيد على أن هذا ليس وقتاً للتراخي.

- مدة الصدمة: من بين المخاوف، تُعد مدة حملة القصف الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والتهديدات الإيرانية للملاحة في مضيق هرمز، من أكثر الأمور إلحاحاً. فإذا انتهى العمل العسكري الحالي قريباً وتراجعت التوترات، فستكون الصدمة على الإمدادات أقل حدة. لكن رغم تصريحات ترامب، لا يُظهر الصراع سوى القليل من المؤشرات على قرب نهايته، ولذلك، تتزايد المخاوف في الأسواق المالية.

ورغم الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام الفورية يوم الاثنين إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، فإنه يبقى أقل أهمية من الارتفاع المتوقع في أسعار عقود النفط الآجلة. وقد تراجعت أسعار العقود الآجلة الآن، ولكن فقط إلى مستواها يوم الجمعة الماضي. ويُستنتج من ذلك أن أسواق النفط لا تزال تتوقع أن يكون الصراع وصدمة العرض قصيري الأمد، مع توقعات بانخفاض سعر النفط إلى 75 دولاراً للبرميل بحلول نهاية هذا العام.

أما تحركات سوق العقود الآجلة لأسعار الغاز الأوروبية بالجملة فهي بالتأكيد أكثر تعقيداً. فقد تراجع الارتفاع الحاد في أسعار عقود الغاز الآجلة في بورصة تورنتو للغاز (TTF)، والذي أبقاها مرتفعة طوال عام 2026 وأوائل عام 2027. لكن الأسواق ليست مطمئنة بشكل عام، إذ إن أسعار العقود الآجلة للعام المقبل وما بعده كانت أعلى صباح الثلاثاء مما كانت عليه يوم الاثنين. وإذا كان هذا المنحنى صحيحاً، فسيشهد قطاع التدفئة في أوروبا ارتفاعاً ملحوظاً خلال العام المقبل.

- حجم صدمة الطاقة: ما يخشاه الجميع، خاصة في أوروبا، هو تكرار سيناريو عام 2022، حين تجاوز ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا بكثير ارتفاع أسعار النفط العالمية. في ذلك الوقت، ومع تلاعب روسيا بالإمدادات سياسياً، سادت مخاوف حقيقية من نقص الغاز بين الشركات والأسر.

وإذا كنت أوروبياً، سترى أن عام 2026 يُعيد سيناريو عام 2022، مع تضاعف أسعار الجملة منذ بداية العام. في الوقت نفسه، كان ارتفاع أسعار النفط أقل بكثير. وتجدر الإشارة إلى أن التكاليف ارتفعت بشكل كبير في أواخر صيف عام 2022 مع تصاعد المخاوف بشأن موسم التدفئة الشتوي. وسيكون هذا هو الاختبار الحاسم هذا العام.

ولا يوجد ما يدعو إلى استمرار عام 2026 على نفس منوال عام 2022، لكن صدمة العرض هذه أثبتت بالفعل أنها كبيرة. في الواقع، إنها تُشبه سيناريو وضعه البنك المركزي الأوروبي في عام 2023 بعد هجوم حماس على إسرائيل. في ذلك السيناريو، كان نمو منطقة اليورو أقل بنسبة 0.7% في السنة الأولى مما كان متوقعاً سابقاً، وكان التضخم أعلى بنحو نقطة مئوية واحدة. وبالمقارنة مع أحدث توقعات البنك المركزي الأوروبي، فإن ذلك سيترك منطقة اليورو في عام 2026 بنمو ضئيل وتضخم يقارب 3%.

- المرونة ومواطن الضعف: من المهم التفكير فيما تحسن منذ عام 2022. حيث تتمتع أوروبا بقدرة أكبر بكثير على استيراد الغاز الطبيعي المسال، وقد خفضت استهلاك الغاز بشكل كبير، وأعادت تنظيم خطوط الربط البيني لإزالة الاختناقات.

وكانت صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال أعلى بنسبة 65% في ديسمبر 2025 مقارنة بديسمبر 2021، لذا من غير المتوقع أن يتكرر الضعف الشديد الذي شهدناه قبل أربع سنوات. كذلك، فإنه مع اقتراب موسم التدفئة الشتوية 2025 - 2026 من نهايته، انخفضت مستويات تخزين الغاز في أوروبا. لكن لا يزال هناك متسع من الوقت لإعادة هذه المستويات، شريطة أن يصبح الغاز الطبيعي المسال القطري متاحاً مرة أخرى قريباً. وحتى بدونه، تتمتع أوروبا بقدرة أكبر على الصمود، لذا فمن غير المرجح حدوث أزمة بحجم تلك التي حدثت في يوليو وأغسطس 2022.

ومع هذه القدرة الأكبر على الصمود، من المهم عدم المبالغة في تقدير الصدمة. لكن ثمة بعض نقاط الضعف، فالصدمة التضخمية المحتملة عند ارتفاع أسعار النفط والغاز لا تقتصر على استخداماتهما المباشرة في التدفئة والنقل فحسب، بل تشمل أيضاً مدخلات إنتاج جميع المواد الغذائية والسلع والخدمات تقريباً. كما أن قدرة الأسر على تحمل التضخم «المؤقت» أقل مما كانت عليه في فترة ما بعد جائحة (كوفيد 19).

وعلى الرغم من أن تأثير الحرب على الغاز الطبيعي الأوروبي قد تجاوز حتى الآن تأثيرها على النفط الخام، إلا أننا نتوقع عادة أن يظهر الضغط التضخمي الأولي أولاً وبشكل أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة. ففي الولايات المتحدة، تجعل الضرائب المنخفضة على وقود السيارات منه رخيصاً. لكن الجانب السلبي هو أن أسعار البنزين في محطات الوقود تتحرك بشكل متزامن إلى حد كبير مع أسعار الجملة. وقد ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنسبة 16% خلال الأسبوع الماضي، بينما ارتفعت أسعار الديزل بنسبة 24%.

ورغم الشكاوى من استغلال محطات الوقود في المملكة المتحدة للأسعار، إلا أن الزيادة في تكلفة امتلاك السيارات في بريطانيا كانت ضئيلة للغاية بالمقارنة. ويعود ذلك إلى ارتفاع الرسوم الجمركية على البنزين والديزل. لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الارتفاع الكبير في أسعار الوقود في ألمانيا خلال الأسبوع الماضي، خاصة مع سهولة مقارنة الأسعار بين مختلف المتاجر.

- البنوك المركزية: يراقب محافظو البنوك المركزية هذه التحركات في الأسواق العالمية دون إثارة للذعر. فالأسواق متقلبة والنطاق واسع، لكن مدة هذه الصدمة لم تتجاوز 11 يوماً حتى الآن. وحتى أولئك المعروفون بمواقفهم المتشددة توخوا الحذر في إصدار تحذيرات بشأن رفع أسعار الفائدة. ومن الأمثلة على ذلك، تصريح إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، بأن «السياسة النقدية لا تزال في وضع جيد».

ولدي يقين بأن محافظي البنوك المركزية سيرغبون في تكرار تصريحات مماثلة في اجتماعات السياسة النقدية الأسبوع المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان، وبنك إنجلترا. ومن السابق لأوانه تحديد الاستجابة السياسية الأمثل.