كلارا موراي

تبدأ القارة الأوروبية قريباً إحدى أكبر التجارب العالمية في مجال شفافية الأجور، حيث ستتعرف ملايين النساء على المزيد حول مدى المساواة في أماكن عملهن خلال الأشهر الثمانية عشر القادمة. وسيصبح الإبلاغ عن فجوة الأجور بين الجنسين إلزامياً لأصحاب العمل الكبار في الاتحاد الأوروبي، بفضل توجيه جديد.

تشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن النساء في جميع أنحاء الاتحاد يحصلن على 0.88 يورو مقابل كل يورو واحد يحصل عليه الرجال. وهذه الأرقام خاصة بالفجوة بين الجنسين. وتقيس فروق الأجور على أساس الساعة وفي جميع المسميات الوظيفية ومستويات الأقدمية. وترى المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، أن سد هذه الفجوة من شأنه أن يجعل المرأة أكثر استقلالاً اقتصادياً، كما أنه سيساعد على تحسين القدرة التنافسية لأصحاب العمل وتعزيز الإنتاجية في الاقتصاد كله.

وبدءاً من يونيو 2027، يتعين على جميع المؤسسات العاملة في دول الاتحاد الأوروبي التي تضم أكثر من 250 موظفاً نشر بيانات سنوية حول ما تدفعه للرجال والنساء بشكل عام وفي وظائف مماثلة. ويتعين على أصحاب العمل الذين لديهم فجوة غير مبررة في الأجور تتجاوز 5% توضيح الأسباب التي تقف وراء ذلك ووضع خطة لتقليصها.

لكن يثور الكثير من التساؤلات حول مدى إمكانية تقريب أجور النساء من أجور الرجال من خلال التوسع في تطبيق متطلبات الإبلاغ، حيث تشير الأدلة من الدول التي طبقت إجراءات مماثلة حتى الآن إلى نتائج متباينة، بما في ذلك بعض النتائج غير المقصودة أو غير المتوقعة. وتقول إيما دوشيني، الخبيرة في اقتصاديات الأجور بين الجنسين بجامعة إسكس: «هناك دائماً اختلافات دقيقة، وتختلف آثارها بكل دولة على حدة».

وتقول كاتي بينيت، مسؤولة تقارير القوى العاملة في شركة برايس ووترهاوس كوبرز بالمملكة المتحدة: «يبقى السؤال مطروحاً دائماً: هل يُحفز الإبلاغ عن فجوة الأجور إحداث التغيير المأمول؟ يعتمد ذلك على ما إذا كنا نعتقد أن فجوة الأجور مؤشر رائد أم متأخر للتغيير، ويمكننا تقديم حجج لكلا الرأيين».

ومن الجيد أن نعلم أن فجوة الأجور بين الجنسين منذ عام 2014 تقلصت بالفعل في 31 دولة من أصل 36 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تتوفر فيها بيانات قابلة للمقارنة. وأظهر تحليل أجرته صحيفة فايننشال تايمز أن متوسط الدول التي تطبق نظام الإبلاغ الإلزامي، والتي طبقت غالبيتها هذا النظام خلال تلك الفترة، قد خفّض الفجوة بين الجنسين بنسبة 25%، مقارنة بنسبة 17% في الدول التي لا تطبق هذا النظام.

وقد ربطت الأبحاث الأكاديمية جزءاً من هذا النجاح في تضييق الفجوة مباشرة بإلزام الشركات بالإبلاغ، ففي المملكة المتحدة، أحد أوائل الاقتصادات الكبرى التي طبّقت هذا النظام، وجد الباحثون أن الشركات التي يزيد عدد موظفيها قليلاً على عتبة 250 موظفاً التي تستوجب الإبلاغ الإلزامي قد خفّضت الفجوة بنسبة أكبر من الشركات الأصغر حجماً التي لا تستوفي شروط الإبلاغ، ما يشير إلى فعالية نهج «التشهير» بالشركات التي تخفق في التضييق.

وقد توصلت دراسات منفصلة إلى نتائج مماثلة في فرنسا وسويسرا والدنمارك، ففي الدنمارك، على سبيل المثال، تقلّصت فجوة الأجور بشكل حاد في الشركات الخاضعة لقواعد الإبلاغ منذ تطبيقها عام 2006، لكن باحثين في النمسا والسويد وجدوا أن تطبيق أنظمة الإبلاغ لم يكن له تأثير يُذكر، أو لم يكن له أي تأثير على الإطلاق، في فجوة الأجور بين الجنسين في المؤسسات المعنية.

وترجع إيما دوشيني هذا التباين إلى اختلاف الدول في منطلقاتها فيما يتعلق بالمعايير والأدوار الاجتماعية والهيكل الاقتصادي. في المملكة المتحدة، كشفت دراسة أجريت عام 2018 أن نحو 75% من فجوة الأجور بين الجنسين تعود إلى هذه العوامل في الإبقاء على النساء في وظائف ذات أجور منخفضة، لكن الاختلافات في تصميم نظام الإبلاغ في كل دولة تلعب دوراً أيضاً. وتقول إحدى الباحثات: «لا يمكننا ببساطة تطبيق سياسة ما على سياقات مختلفة ثم نتوقع أن يكون لها التأثير نفسه تلقائياً».

وعلى سبيل المثال، في دول مثل السويد وألمانيا، وغيرهما، لا يُلزم أصحاب العمل بنشر بيانات فجوة الأجور بين الجنسين علناً. وفي ألمانيا، يجب على الموظفين التقدم بطلب للحصول على هذه البيانات. وقد وجد تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية صدر عام 2023 أن هذا، إلى جانب ضعف تطبيق القانون، قد يقلل من تأثير الإبلاغ.

إضافة إلى ذلك، فإن نشر الرقم الإجمالي لفجوة الأجور لكل شركة فقط، كما هي الحال في المملكة المتحدة، قد يُخفي التفاوتات، بينما تشترط دول أخرى، مثل أستراليا وفرنسا، تصنيف البيانات حسب فئة الوظيفة أو العمر.

وقد يكشف الإبلاغ أيضاً عن أنماط غير متوقعة، ففي المملكة المتحدة والدنمارك، على سبيل المثال، وجد الباحثون في عامي 2019 و2023 على التوالي، أن معدل نمو أجور الرجال قد انخفض، بينما لم يرتفع معدل نمو أجور النساء كما كان متوقعاً. وترى إيما دوشيني أن قواعد الإبلاغ ونتائجها قد منحت أصحاب العمل مبرراً لرفض زيادات الأجور للرجال.

وفيما يتعلق بتوجيه الاتحاد الأوروبي بشأن شفافية الأجور، لا تزال تفاصيل كيفية ترجمة متطلبات الإبلاغ إلى قوانين وطنية غير واضحة حتى الآن، إذ لم تنشر الكثير من الدول مسودات تشريعاتها بعد، لكن شرط الشفافية يأتي ضمن حزمة أوسع من التدابير الرامية إلى تحسين المساواة في الأجور، مثل إلزام الإعلانات عن الوظائف بتضمين نطاقات الرواتب، أو حظر الأسئلة المتعلقة بتاريخ الأجور السابقة أثناء التوظيف. ويقول بينيت، من شركة برايس ووترهاوس كوبرز، إن محاولة اتباع نهج شامل تُعدّ مؤشراً إيجابياً. ويضيف: «إن إحداث هذه التغييرات هيكلياً يستغرق وقتاً طويلاً. والإبلاغ عن فجوة الأجور ليس الحل الوحيد بالتأكيد».

مع ذلك، يتوقع الباحثون أن تكون البيانات الناتجة عن قوانين الاتحاد الأوروبي الجديدة مفيدة، حتى وإن لم تكن مثالية، وذلك بالنسبة لنحو 200 مليون عامل مشمولين، ولكل حكومة تتساءل عما إذا كان عليها أن تتبع المسار نفسه، وكيفية القيام ذلك.