كاتي مارتن

تسببت الحرب في إيران في بعض التقلبات بالأسواق المالية هذا الأسبوع، فقد تذبذبت الأسهم، وتراجعت السندات، فيما توقف الدولار عن سلسلة خسائره، وارتفعت أسعار النفط، وشهد الغاز الطبيعي ارتفاعاً حاداً. لكن يبدو أن المستثمرين لا يضعون في حساباتهم إمكانية حدوث لكارثة، بل بعض منهم يقوم بمراجعة محافظه الاستثمارية. 

قد يكون هذا التفاؤل مفرطاً. صحيح أن الخسائر البشرية لهذه الحرب تفوق تأثيرها على الأسواق المالية، لكننا نعلم أيضاً أن لدى الشرق الأوسط قدرة فريدة تقريباً على زعزعة الاقتصاد العالمي. كما أن الدور الذي يلعبه النفط والغاز في دعم الازدهار العالمي يجعل من اندلاع العنف في المنطقة مسألة بالغة الأهمية للنظام المالي.

إن احتمال وقوع كارثة اقتصادية ومالية خطيرة وارد، ومع ذلك فإن كل محادثة أجريتها مع المحللين والمستثمرين خلال الأيام الماضية، وكل مذكرة بحثية تقريباً، كانت تسير على هذا النحو: «لا تقلقوا. نعم قد تسوء الأمور، بل تسوء جداً، لكن دونالد ترامب لا يريد ارتفاع أسعار النفط قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، لذا لن يبقى جيشه هناك. لن يطول الصراع، وستعود إمدادات النفط والغاز إلى طبيعتها سريعاً».

ويقول التاريخ إن المسار الأمثل هو التريث والهدوء والاستمرار في الاستثمار، خاصة أن الولايات المتحدة، موطن الأسواق المالية المهيمنة في العالم، محصنة بشكل جيد من أي صدمة في إمدادات الطاقة. والتاريخ هو أفضل ما يمكن لمديري الصناديق الاستناد إليه هنا، لأنه نادراً ما تترك الصدمات الجيوسياسية أثراً دائماً على أسعار الأصول، وانتعاشات السوق مربحة للغاية بحيث لا يمكن لأي مستثمر يركز على مصالح عملائه أن يفوتها.

وأشارت مجموعة مان لإدارة صناديق التحوط في مذكرة لها إلى أن «الاستجابة المتوسطة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، المؤشر القياسي للأسهم الأمريكية عقب الصدمة الجيوسياسية، ربما تكون إيجابية على نحو مفاجئ». وأضافت: «في الواقع، فبعد شهر واحد من وقوع الحدث، يبلغ متوسط عائد السعر 2 %، أي ما يقارب ضعف الحركة الشهرية غير المشروطة البالغة 1.1 %. ويظل المؤشر إيجابياً في 62 % من الحالات».

وكما تؤكد المذكرة أيضاً، قد لا يكون المتوسط هو المؤشر الأمثل، فالصراعات ليست متساوية، لكن هذا يفسر جزئياً سبب عدم دخول الأسهم والسندات والعملات في حالة أزمة، فقد أدى هجوم ترامب على نظام التجارة العالمي العام الماضي إلى زعزعة استقرار جميع فئات الأصول في العالم.

وبالمقارنة، يُعد هجومه، إلى جانب إسرائيل، على إيران أمراً بسيطاً. وقد ارتفع سعر النفط بنسبة تقارب 50 % عما كان عليه في بداية هذا العام، وهذا أمر مؤلم، لكن سعر خام برنت، وهو السعر القياسي للنفط، لا يزال مقبولاً عند مستوياته الحالية البالغة نحو 90 دولاراً للبرميل. ولا يتوقع أن يصل إلى 100 دولار ويستقر عند هذا المستوى، وهو ما يتفق عليه معظم الاقتصاديين.

كذلك، فقد ارتفع سعر الغاز الطبيعي بأكثر من 60 %، وهذا أيضاً أمر مؤلم، خاصة بالنسبة لأوروبا، لكننا لسنا في وضع عام 2022، حين أدى اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى تدمير شبكات الطاقة في القارة وتفاقم مشكلة التضخم المزمنة الناجمة عن جائحة «كوفيد 19».

ويُظهر مؤشر «إم إس سي آي» العالمي انخفاضاً في أسعار الأسهم، لكن بنسبة 2 % تقريباً. وللمقارنة، فقد تسببت الرسوم الجمركية في تراجع بنسبة 10 % للمؤشر نفسه خلال أيام من «يوم التحرير». لا يُظهر الوضع الحالي صورة مماثلة للترقب والقلق بين المتداولين والمستثمرين، بل على العكس، فقد جنوا أرباحاً من بعض الرهانات التي حققت أداءً جيداً في الأشهر القليلة الماضية.

وقال فينسنت مورتييه، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة إدارة الأصول أموندي: «من المؤكد أن السوق يقيّم تأثير التضخم. وتتأثر السندات بشدة بارتفاع التضخم، وقد تراجعت قيمتها استجابة للصراع، ما أدى إلى خسائر فادحة للكثير من المستثمرين الذين راهنوا على عكس ذلك، لكن سوق السندات لا يشعر بالذعر حتى الآن».

وأوضح أن أكثر الأسهم انخفاضاً هي نفسها التي حققت أعلى أداء في الأشهر الماضية، مشيراً إلى أسهم في اليابان وكوريا وحتى أوروبا، وإلى عملات الأسواق الناشئة. وهذا يدل على أن المستثمرين أرادوا تثبيت بعض المكاسب من الأشهر السابقة دون المساس بالأصول الأساسية لمحافظهم الاستثمارية.

ويتناقض هذا كله بشدة مع حالة القلق الواضحة في قطاع الطاقة، بما في ذلك التحذير الصريح من وزير الطاقة القطري بأن الحرب في الشرق الأوسط قد «تدمر اقتصادات العالم». وهذه ليست مبالغة، فقد نكون بالفعل على شفا صدمة طاقة هائلة، ستشعر بها أوروبا والأسواق الناشئة وآسيا بشدة، وليس الولايات المتحدة، التي يبدو أن مسؤوليها يستمتعون فيها بشكل مبالغ فيه بهذا الدمار.

وليس من الواضح في هذه المرحلة ما إذا كان ترامب قادراً على إيقاف ما بدأه مع إسرائيل، لكن إمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط فعلياً في خطر، بغض النظر عن مستوى أسعار البنزين الذي يرغب فيه الرئيس الأمريكي حتى انتخابات نوفمبر. كذلك، من الواضح أن الأسواق غير مستعدة لصراع طويل الأمد، وأن احتمالية ضعف السندات والأسهم معاً، ما يترك المستثمرين بلا ملاذ آمن، أمر خطير.